الاستيقاظ المبكر ليس للجميع.. ما الذي يخفيه خبراء النوم؟

يرى خبراء في علوم النوم أن الترويج لفكرة الاستيقاظ في ساعات الفجر الأولى بوصفها طريقا عاما للنجاح والإنتاجية لا يعكس الواقع العلمي بدقة، في ظل الفروق البيولوجية الواضحة بين الأفراد

خلال السنوات الأخيرة، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي وكتب تطوير الذات دعوات للانضمام إلى ما يعرف بـ"نادي الخامسة صباحا" (The 5AM Club)، باعتباره وسيلة لتعزيز الانضباط وتحقيق النجاح. غير أن مختصين يحذرون من أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة النوم واختلاف أنماطه بين الناس.

ويقول اختصاصي علوم النوم غونتر أمان-ينسون إن هذه الفكرة تقوم على افتراض مبسط مفاده أن الاستيقاظ المبكر يقود تلقائيا إلى الانضباط، ومن ثم إلى النجاح، لكنه يوضح أن النوم يخضع لقوانين بيولوجية، وأن لكل إنسان ساعته الداخلية التي يصعب تغييرها جذريا.

لسنا سواء.. ماذا تقول الساعة البيولوجية؟


توضح طبيبة الأعصاب بيرغيت هوغل أن الأبحاث تميز بين أنماط مختلفة من الإيقاع اليومي، فهناك "محبو الصباح" الذين يبلغون ذروة نشاطهم الذهني والبدني في الساعات الأولى من اليوم، مقابل "محبي المساء" الذين يفضلون السهر ويصلون إلى أعلى مستويات تركيزهم بعد الظهر أو في المساء.

وتشير إلى أن فرض نمط الاستيقاظ المبكر على الجميع قد يؤدي إلى الإخلال بمدة النوم الموصى بها، والتي تتراوح بين 7 و9 ساعات يوميا. فالشخص الذي يطمح إلى الاستيقاظ عند الخامسة صباحا يحتاج غالبا إلى النوم قرابة التاسعة مساء، وهو ما لا يتوافق مع أسلوب حياة كثيرين، سواء لأسباب مهنية أو اجتماعية.

وبحسب تقديرات أمان-ينسون، فإن نحو 20-25% من الناس ينتمون إلى النمط الصباحي، مقابل 20-30% للنمط المسائي، بينما يقع نحو نصف السكان في منطقة وسطى بينهما. وهذا يعني أن معادلة "الاستيقاظ المبكر = النجاح" لا يمكن تعميمها على أغلبية المجتمع.

ليس المهم متى تستيقظ.. بل كيف تنام؟


يؤكد الخبراء أن تجاهل احتياجات الجسم البيولوجية ينعكس سلبا على الصحة والأداء، داعين إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح بعيدا عن القوالب الجاهزة.

ويقول أمان-ينسون إن الطريق الأفضل لا يبدأ بتغيير وقت الاستيقاظ قسرا، بل بفهم حدود الجسم واحترامها، مشددا على أن النوم الجيد يشكل أساس الصحة والرضا والإنتاجية على المدى الطويل، أيا كان زمن الذروة الذي يعمل فيه الفرد بأفضل حالاته.


أربع ركائز للنوم الجيد


في هذا السياق، تحدد طبيبة الأعصاب هوغل أربعة عوامل أساسية للحصول على نوم مريح وعميق:

الظلام: تقليل الإضاءة في غرفة النوم واستخدام ستائر معتمة أو قناع للعين، لأن الضوء يؤثر مباشرة في الساعة البيولوجية.
الهدوء: تجنب الضوضاء قدر الإمكان، حتى إن كانت خفيفة، إذ يمكن أن تضر بجودة النوم وتقطع مراحله العميقة.
الحرارة: الحفاظ على درجة حرارة معتدلة في غرفة النوم، فالجسم ينام بشكل أفضل عندما تنخفض حرارته قليلا.
مواعيد الطعام: تجنب الوجبات الثقيلة قبل النوم مباشرة، مع عدم الذهاب إلى السرير بمعدة فارغة تماما، لأن الجوع أو الامتلاء الزائد قد يربكان النوم.
مخاطر قلة النوم والحرمان المزمن
يرى الخبراء أن الحرمان المزمن من النوم لا يقتصر أثره على ضعف التركيز والذاكرة واتخاذ القرار، بل يزيد أيضا من حساسية الألم ويؤثر في القدرة على تنظيم المشاعر وضبط الانفعالات.

كما تربط دراسات طويلة الأمد بين قلة النوم وارتفاع خطر الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.

ويشير أمان-ينسون إلى أن نحو 95% من الناس لا يحصلون على قسط كاف من النوم، لافتا إلى أن المشكلة لم تعد فردية فقط، بل ترتبط أيضا بأنماط الحياة الحديثة، مثل مواعيد المدارس والعمل التي لا تتوافق دائما مع الساعة البيولوجية لكثيرين، خاصة من يميلون بطبيعتهم إلى النمط المسائي.