تفاصيل محاولة اغتيال صدام في عملية جوية انطلقت من قطر

قبل ساعات من انطلاق عملية غزو العراق يوم 19 آذار 2003، كان ضباط سلاح الجو الأمريكي في مركز العمليات الجوية المشتركة في السعودية يناقشون تنفيذ غارة جوية على بغداد لتدمير مخبأ يُحتمل أن يكون صدام حسين متواجدًا فيه. كانت المعلومات قد وردت من مصادر عراقية في بغداد تعمل لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA.

 

اعتبر الرائد كلينت هينوت، من القوة الجوية وقيادة طيران التحالف، والموجود في مركز العمليات الجوية المشتركة، المهمة مخاطرة عالية للغاية، ولكن تم اتخاذ قرار بالمضي قدمًا في تنفيذها.

بعد فترة وجيزة، أجرى الرائد هينوت مكالمة مع جناح العمليات 49 التابع للقوة الجوية، الذي كان متمركزًا في قاعدة العديد في قطر. وطلب تجهيز طائرتين شبح من طراز F-117A Nighthawk للتحرك بسرعة باتجاه إحداثيات محددة في بغداد. كان الهدف هو ضرب بغداد قبل الفجر، وكان ذلك على بُعد ساعات قليلة فقط من الموعد المحدد. ولم يتم إخبار الطيارين أو حتى جناح القاعدة في قطر بالهدف المحدد للمهمة، إذ تم إبلاغ القيادة العليا فقط في مركز العمليات الجوية المشتركة.

في تلك اللحظة، كان الطيارون من جناح العمليات 49 يراجعون الأهداف المخطط لها، ولكن سرعان ما تم إعطاء الأمر بالتحرك لتنفيذ المهمة بشكل عاجل. وفي غضون 15 دقيقة، أعلن المسؤولين عن الجناح في قاعدة العديد أنهم قادرون على تنفيذ المهمة إذا تم تجهيز الطائرتين بسرعة، رغم ضيق الوقت.

كانت المشكلة الرئيسية تكمن في الوقت المتبقي حتى الفجر، إذ كان من المفترض أن تستغرق طائرة F-117A نحو ست ساعات للاستعداد للمهمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الرحلة من قطر إلى بغداد كانت ستستغرق أكثر من ساعتين. لذلك، إذا تم التحضير وفقًا للجدول الزمني المعتاد، كانت الطائرات ستضطر للطيران فوق العراق في وضح النهار، مما يعرضها لمخاطر غير مقبولة.

لحسن حظهم، كانت فرق الصيانة قد أنجزت في ذلك اليوم قدرًا كبيرًا من أعمال الصيانة على طائرات Nighthawk، مما قلل بشكل كبير من وقت التحضير. وقام طاقم الصيانة بإجراء فحص سريع للطائرات.

في حوالي الساعة 01:30 صباحًا، تم اختيار طائرتين من طراز F-117A من جناح 49 للطيران في هذه المهمة. تم اختيار اللفتنانت كولونيل ديفيد تومي والرائد مارك جيه هوين لقيادة الطائرتين.

كان التحدي الأكبر في اختيار السلاح المناسب. كان المخططون للمهمة يرغبون في استخدام أفضل ذخيرة متاحة، وهي قنابل EGBU-27 الموجهة بدقة. لكن المشكلة كانت أن هذه القنابل لم تُستخدم في القتال من قبل.

كانت قنابل EGBU-27 تتميز بأنها قنابل موجهة بالليزر مزودة بنظام توجيه عبر الأقمار الصناعية (GPS) ونظام الملاحة بالقصور الذاتي، مما يجعلها قادرة على توجيه القنابل إلى هدف محدد باستخدام ثلاث طرق مختلفة. ومع ذلك، وصلت أنظمة التوجيه هذه إلى الجناح قبل 24 ساعة فقط.

بدأت الفرق الأرضية في التحضير الفوري للطائرتين، وتم تحميل قنابل EGBU على الطائرات. بعد فحص سريع، كانت الطائرتان جاهزتين للقتال في حوالي الساعة الثالثة صباحًا. وبعد صلاة سريعة من الطيارين تومي وهوين، صعدا إلى طائراتهما.

بعد أقل من ثلاث ساعات من المكالمة الأولى لمركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC)، أقلعت الطائرتان من قاعدة العديد في الساعة 03:38 صباحًا متجهتين شمالًا نحو الهدف.

ولكن بسبب تسارع العملية، ظهرت بعض التعقيدات. لم يكن لدى المسؤولين وقت لاختبار أجهزة الراديو الخاصة بالطائرات قبل الإقلاع، وكان هناك خلل في الاتصال اللاسلكي في طائرة هوين، مما اضطره للتحليق صامتًا حيث لم يكن بإمكانه إجراء اتصالات آمنة مع قاعدة العديد. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك عاصفة رعدية في الخليج العربي أثرت على الرؤية البصرية للطيارين أثناء المهمة.

لم يكن سلاح الجو قد خصص طائرة تنكر جوي لتزويد طائرات Nighthawk بالوقود، مما زاد من توتر الطيارين. وعندما اقتربوا من الحدود العراقية-السعودية، لم يلتقوا بأي طائرة تنكر جوي من التحالف. ولكن، بعد فترة قصيرة، ظهرت طائرة KC-135 Stratotanker. قام الطيار تومي بتزويد طائرته أولًا، ثم استدار شمالًا باتجاه العراق. بعدها جاء دور الطيار هوين لتزويد طائرته بالوقود.

خلال التزود بالوقود، أجريت محادثة بين خبير التزود بالوقود وطائرة KC-135. قال الخبير للطيار هوين: “يبدو أن لديك مهمة مثيرة للاهتمام. هل يمكنك إخبارنا عنها؟” فأجاب هوين: للأسف، لا أعرف أكثر منك. كل ما أعرفه هو أننا سنضع القنابل في إحداثيات معينة في وقت محدد.

بعد أن امتلأ خزان طائرة هوين، انفصل عن الناقلة وواصل مساره نحو الهدف في العراق.

عندما دخلت الطائرات الأجواء العراقية، اتخذت مسارات منفصلة للوصول إلى الهدف. كانت الشمس قد بدأت في الظهور، وبينما كانت الرؤية غير واضحة بسبب الغيوم، استطاع الطيار هوين تمييز نهر دجلة الذي يمر عبر بغداد، مما أكد له أنه يحلق فوق العاصمة.

عند الوصول إلى الإحداثيات المطلوبة، اتخذت الطائرات قرارًا بضرب الهدف باستخدام قنابل EGBU-27. وعلى الرغم من أن القنابل كانت موجهة بالليزر، إلا أن غيوم بغداد المنخفضة كانت ستتداخل مع مسارات الليزر، وبالتالي تم توجيه القنابل عبر نظام GPS.

في الساعة 05:30 صباحًا، أطلقت طائرتا F-117 قنبلتين من طراز EGBU-27، سقطتا على القبو الذي كان يُعتقد أن صدام حسين نائمًا فيه في إحدى مزارع الدورة جنوب بغداد. فوجئت الدفاعات العراقية تمامًا بالضربة، إذ لم يبدأ إطلاق النار المضاد للطائرات إلا بعد أن أكملت الطائرات الهجوم.

في اللحظة التي تم فيها إطلاق القنابل، قام الطياران بتغيير مسارات طائرتيهما بشكل حاد، وخرجوا من سماء بغداد بسرعة.

كذلك، تمَّ إطلاق 40 صاروخ كروز توماهوك من البحر الاحمر بشكل متزامن مع العملية على مواقع مهمة في الرضوانية والدورة.

عند عودتهما إلى قاعدة العديد، لم يكن الضباط في القوات الجوية يعرفون إذا كانت المهمة قد حققت هدفها في القضاء على صدام حسين. بعد وصول الطائرات إلى الحظيرة، تجمع حوالي 100 شخص من فرق الصيانة لضمان نجاح العملية.

وفي وقت لاحق، تم اكتشاف أن الهدف كان بالفعل المكان الذي كان صدام حسين يقيم فيه، لكن المعلومات كانت متضاربة حول وجوده في الموقع. تشير بعض المصادر إلى أن صدام كان في المزرعة لكنه غادر قبل الضربة، بينما تقول مصادر أخرى إنه لم يكن في المزرعة على الإطلاق، وأن آخر مرة زارها كانت في عام 1995.

الغاية كانت القضاء على صدام وزمرته، وتفادي دخول الحرب قليلًا، لكن العملية فشلت واضطرت القوات الامريكية لضرب العراق في الليلة التالية.