الإعلامي ولد حـمــدو في حــوار مـــع "الجديد نيوز" : خصوصيـــة مـوريـتانيــا هــي التــي تـمـيــزهـــا فـي حريـة التعـبـيـر

 

سلط ضيفنا في هذه المقابلة الضوء على عديد الإشكاليات المتعلقة بالإعلام الوطني من حيث المكانة الإقليمية والدولية ومشاكل التأسيس والآفاق المستقبلية للمهنة في موريتانيا .

 

أكد في حديثه معنا أن بيئة العمل الإعلامي المحلية، فيها نواقص كثيرة، وتحتاج مزيدا من المهنية ومن الضبط، ليكون لها تأثير حقيقي على الواقع، وتصنع التغيبر المطلوب، وتشكل همزة وصل بين المجتمع والسلطة .

 

ضيفنا إعلامي مهني؛ درس الإعلام في معهد الصحافة وعلوم الإخبار بتونس، كما أنه خبير في المجال، له تجربة طويلة في الصحافة، امتدت لأكثر من عشرين عاما بين الإعلام المحلي ّوالدولي، قبل أن يدخل عالم الكتابة الروائية.

الجديد نيوز: يستضيف لكم في هذه المقابلة الزميل والصحفيّ المتمرّس  محمــد ولد حـَــمدو

 

نصّ المقابلة: 

الجديد نيوز:  تراجعت موريتانيا عالميا على  مؤشر حرية الصحافة 11 نقطة هذه السنة، حيث حلت في المرتبة 61 عالميا حسب منظمة مراسلون بلا حدود.
ماهي الأسباب بحسب وجهة نظركم؟


أسباب تراجع موريتانيا على مؤشر قياس حرية الصحافة الذي تعده منظمة مراسلون بلا حدود كثيرة ومتعددة، وقد أجملتها المنظمة في "عوامل اقتصادية وهشاشة قطاع الإعلام، إضافة إلى تأخر تنفيذ إصلاحات ضرورية لحماية الصحفيين ودعم المؤسسات الإعلامية".
وهذه الخلاصة في الحقيقة لا تأتي بجديد..
الوضع إن لم يكن تحسن عل الأقل ظاهريا، فهو لم يتراجع بشكل يجعله لافتا للانتباه، فالمؤسسات الإعلامية في الغالب – كما كانت دائما لدينا – هي بنى هلامية تسبح في بحر من عدم المهنية ومحيط غير مناسب مطلقا للممارسة الإعلامية المعروفة.
لم يتغير شيء ولم يكن في الأفق أن يتغير أي شيء في هذه الصورة.. ولكن أليس لافتا أن تكون موريتانيا في صدارة الدول العربية بالنسبة لهذا المؤشر ثم تتلوها مثلا جزر القمر؟!!
هل يعقل أن بلدانا عربية بها تجارب إعلامية عريقة، ونقابات وتنظيمات وجمعيات وروابط مهنية قوية مثل تونس ومصر والمغرب والأردن ولبنان، لم تستطع انتزاع أي قطعة مهما كانت صغيرة من هذا القالب الجميل الذي يسمى حرية الصحافة، كما فعلت موريتانيا بنقاباتها وتنظيماتها المهنية المهلهلة والهشة وتجاربها الإعلامية الشابة والجديدة؟!!
تفسيري الوحيد هو خصوصية موريتانيا.. فالانسيابية التي تعرفها العلاقات داخل المجتمع وبين أطراف المشهد العمومي ألقت بظلالها على هذا التصنيف، فأحلت البلد في مكان متقدم قد لا يعكس بالضرورة واقعا يحسد عليه الإعلامي الموريتاني الذي يعيش كما نعرف جميعا واقعا صعبا بكل المقاييس، لا يمكن مقارنته بوضع زميله في أي من البلدان التي أشرت إليها!!
ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل ماذا تجني موريتانيا من موقعها المتقدم في هذا التصنيف؟
ربما يكون هناك نوع من السمعة الطيبة والصورة الوردية في عيون الآخرين.. لكن في العمق هل يعكس موقعنا في التصنيف الخاص بحرية الصحافة قوة الإعلام أو نجاحه في القيام بدور السلطة الرابعة؟
يؤسفني أن أقول بمرارة إن الإعلام لدينا كما هو الحال في البيئات المشابهة بلا سلطة.. فالعمل الصحفي في موريتانيا لا يخلق التغيير ولا يسهم في محاربة الفساد ولا في التنمية بالمفهوم المجرد، ذلك أن الصحافة لدينا عالم من الفوضى، ولا يمكنها الوصول للمعلومات المهمة والحيوية وتعاني من عوز مادي وضعف في التكوين، ويراد لها أن تبقى تتناسل وتتكاثر في جو من الفوضى وعدم الثقة.. تلوك بعض النجاحات الشكلية وتستمتع بالتباهي بها والتفاخر بها، وهي للأسف مجرد فقاعات ترتفع قليلا ثم لا تلبث أن تتلاشى.. هذا هو الواقع للأسف..

 

الجديد نيوز: تتصدر موريتانيا حرية الصحافة في العالم العربي منذ عدة سنوات، رغم الإمكانيات المادية واللوجستية والبشرية الكبيرة.
كيف ترون هذه المفارقة؟


لا أجد شخصيا مفارقة في تصدر موريتانيا لمؤشرات حرية الصحافة في العالم العربي بالنظر إلى عوامل خاصة، فموريتانيا تمثل حالة خاصة لا تخضع ربما للتصنيفات المتعسفة ولا القياس على أي بلد آخر في محيطها سواء في الجنوب أو في الشمال.
دعني أشرح قليلا..
في موريتانيا يمكن لأي صحفي أو مدون أو ناشر أو كاتب أن يتناول شخصية عامة كما يشاء ويغوص في أي قضية شاء.. وفي الغالب إذا لم يثر هذا التناول الكثير من اللغط، يبقى الأمر وفق المعطيات المحلية بين فلان وفلان أي رجل من القبيلة أو الجهة الفلانية وآخر من القبيلة أو الجهة الفلانية.. وحتى إذا أثار تناول قضية معنية إعلاميا شيئا من اللغط، ففي الغالب تتجه الأمور نحو التسويات والتفاهمات في الإطار الأهلي وفي كنف الود..
وتتغلب في النهاية الاعتبارات التقليدية على غيرها، لذا يندر اللجوء إلى القضاء في التعامل مع ما تثيره وسائل الإعلام المختلقة من قضايا.
وهذا ما لا يفهمه الآخرون خارج موريتانيا..

 

الجديد نيوز: حلت موريتانيا في المرتبة السادسة إفريقيا في حرية الصحافة. بحسب رأيكم ماهي أسباب وصول البلاد لهذه المرتبة إفريقيا ؟


عموما إفريقيا ليست واحة حريات لا في مجال الصحافة أو غيرها..
ولا يمكن كذلك وضع القارة في سلة واحدة عند الحديث عن الممارسة الصحفية، فهناك دول ذات تقاليد راسخة في مجال الصحافة، هناك بلدان بها مؤسسات صحفية مستمرة في الوجود منذ أزيد من قرن ونصف.. لننظر مثلا إلى جنوب إفريقيا ومصر والسودان وكينيا أوغندا وإثيوبيا وبلدان الشمال الإفريقي خاصة المغرب وتونس..
وتمتاز بعض التجارب الصحفية في هذه الدول بالعمق والترسخ خاصة أنها ارتبطت في عدة بلدان بحركات التحرر ومواجهة الاستعمار، ونمت بعضها في كنف تيارات حزبية قوية تتمتع بحضور جماهيري واسع.
كما توسعت وتطورت في وقت لاحق مع محاولة ترسيخ الديمقراطية والتعددية السياسية وكشف الفساد وتعزيز جهود التنمية وتجاوز مطبات الاستقلال المترنح.
هذا جانب من الصورة..
ولكن هناك جانب آخر، غابت فيه الصحافة أو تكاد.. لذا ليس صعبا أن تجد موريتانيا لها مكانا. والتفسير الوحيد الذي لا يمكن تجاهله هو هذه الخصوصية التي تميز البلد عن غيره.. فنحن حديثو عهد بالانتماءات السابقة على الدولة، وما زالت مؤثرة وحاضرة بقوة في كل جوانب حياتنا..
أذكر أني سألت مرة منتخبا كبيرا تجاوز بحقه "أحد الصحفيين"، ونشر عنه معلومات غير دقيقة، تشتم منها رائحة الابتزاز، وتفتقد عموما للدليل، لماذا لم تقاضي المعني وهو تجاوز بحقك علاوة على تجاوزه على ضوابط المهنة؟
كان رده بكل بساطة: 
- الذي كتب عني رجل من القبيلة الفلانية، وفي ماضينا لم يحدث أن وقع بيننا وبينهم أي احتكاك أو سوء تفاهم.. ولن يسجل علي أني تسببت في ذلك خاصة أن أحد أقاربه الكبار اتصل بي في الموضوع!!
هذه الحالة وغيرها كثير تعج به حياتنا العامة، فنحن نقلنا معنا باديتنا وقبائلنا وعصابيتنا تحالفاتنا العشارية والجهوية والمناطقية إلى المدينة و"لوينا عنق" منطق الدولة والمؤسسات ليخضع لها ويذعن لمشيئتها!!

 

الجديد نيوز: في موريتانيا توجد مفارقة كبيرة؛ وهي منسوب مرتفع من الحرية؛ مقابل هشاشة كبيرة في المشهد الإعلامي المستقل على وجه الخصوص. 
كيف تفسرون تلك المفارقة؟


الهشاشة التي تتحدثون عنها هي انعكاس لحالة البلد..
مؤسساتنا حتى الأساسية منها لسير أمور الدولة والحياة العامة هشة وتعاني من ضعف بنيوي مستطير.
الحالة عامة وتشمل كل شيء.. الحكومة والبرلمان والمؤسسات الكبرى والأحزاب والهيئات الدستورية والأجهزة العسكرية والأمنية، وحتى مؤسسة الرئاسة تفتقد للكثير من الفاعلية والانسيابية نظرا لضعف التراكم التاريخي والمؤسسي ومحدودية الموارد البشرية والمادية التي تتوفر عليها.
خذ مثلا مؤسسة بحجم البرلمان، كم يعمل فيها من موظف وإداري وماهي "بروفيلات" العاملين فيها؟
سيكون العدد قليلا إذا ما قارناه بموظفي برلمان دولة من دول الجوار القريب، وسيكون أغلبهم دون دور، ولا يعرف شيئا عن الإدارة البرلمانية أو مجرد وظائف هلامية "على الورق" تتيح لصاحبها أن يحص على راتب وامتياوات!!
وهذا يعني أن الهشاشة التي تشيرون إليها بخصوص الإعلام الخصوصي ليست خاصة بها، فالحال إلى حد ما تعيشه كذلك مؤسسات الإعلام العمومي!!
هل يعقل مثلا أن يكون عدد العاملين في غرفة الأخبار في مؤسسة إعلامية محورية – من منظور رسمي على الأقل - كالتلفزة الموريتانية بالعشرات فقط، إن كانوا يصلون ذلك العدد أصلا؟!!
حين يتاح لصحفي موريتاني أن يزور أي مؤسسة إعلامية في بلدان الجوار القريب سيتفاجأ من حجم الموارد والطواقم العاملة!!
وهذا لا يعد ترفا ولا تبديدا للموارد، بل هو الحد الأدنى من الموارد المطلوب، لكي تعمل أي مؤسسة وتستطيع القيام بدورها على الوجه الأمثل.

 

الجديد نيوز: المشهد الإعلامي الوطني مازال بحاجة لمزيد من التمهين والضبط، للمساهمة الفعالة في مجال التنمية، وتجذير الديمقراطية.
 كيف ترون الحلول الممكنة ؟


الحل الوحيد هو العمل على تنمية روح المقاولة الإعلامية وتنمية المؤسسية والتركيز على التكوين وتعزيز الضبط المهني..
هذه مهام كبيرة لا يمكن القيام بها من طرف جهة واحدة، لذا من الضروري ان تتضافر بشأنها جهود الجميع في الحقل.
هذا يتطلب أولا ضبط الحقل بشكل جيد، عبر قيام مقاولات صحفية وإعلامية حقيقية، توفر الحد الأدنى من عناصر بيئة العمل المهني، وانتهاج سياسة تكوين في المهن الإعلامية، وخلق ظروف تنافسية تسمح للأكفاء بالبروز والتميز، وتسد الباب أمام الغرباء.
كما يتطلب إدارة سياسية صادقة، ومرتبط بالأساس - وهذه أكثر جوهرية بالنسبة لي – بأن نغير نظرتنا للإعلام لنفهم أنه بات صناعة، وتتجه يوميا بعد يوم لتكون صناعة ثقيلة حتى لا أقول سلاحا للدمار الشامل، وهذا يعني أنه لكي يكون الإعلام موجودا، لا بد من المال للحصول على الكفاءات والتجهيزات من أجل تجسيد رؤية أو فكرة، لأن أي مصنع أو معمل لا يمكن أن يتحرك وينتج دون هذين العنصرين!!
هذا تلخصه تنمية المقاولة والاهتمام بمناخها العام عبر التركيز على جوانب نوردها في نقاط سريعة:
- تشجيع ظهور أقطاب إعلامية كبرى تتكتل داخلها المؤسسات الإعلامية المتقاربة والمتشابهة في التوجه والخط التحريري.
- سياسة إعلانية منظمة ومنصفة تمركز الإعلان وتوزعه وفق معايير موضوعية شفافة، بما يوفر للمؤسسات الإعلامية موارد تسد بها رمقها وتغنيها عن استجداء التمويل وتخلق من خلال ذلك بيئة لاستقطاب كفاءات مهنية وحيازة تكنولوجيا مناسبة.
- تشجيع فكرة التخصص بحيث تكون هناك وسائل إعلام موجهة للاقتصاد وأخرى للثقافة وأخرى للسباقات والمهرجانات والترفيه وغيرها، وهذا ما يزيد من فرص تمويلها وخلق موارد إضافية لها.
- تشجيع الانفتاح على التجارب المهنية الكبرى في المنطقة وفي العالم، بما يوفر منافذ للتكوين الحقيقي بعيدا عن الأساليب المعتمدة حاليا.



الجديد نيوز: بدأت تظهر أنماط جديدة من التواصل " المنصات والبودكاست" وهي أنماط يصعب  ضبطها، ولها تأثير كبير خاصة على المستوى المحلي .كيف ترون التعامل المطلوب لضبط هذا الوافد الجدد؟

 

هذه الأشكال الجديدة هي آخر تقليعات الموضة الإعلامية.. بعضها مثل "البودكاست" يطيل عمر أشكال قديمة كادت تلفظ أنفاسها بفعل طغيان أشكال جديدة مثل الراديو والتلفزيون، وبعضها مثل البثوث المباشرة والمنصات المفتوحة في كل الاتجاهات هي انعكاس لمقتضيات ثقافة السرعة وسيادة أنماط "الفاست فود" التي تحتل يوميا ميادين ومساحات جديدة في حياتنا العادية.
وهي عموما تقليعات تناسب المرحلة، وهي حقيقة مثالة للعيان دون شك، ولا تنتظر منا أن نضعها ونصنفها، ويصعب التحكم في كثير من مضامينها كذلك.. ولكن ينطبق عليها ما ينطبق على باقي تشكيلات الإعلام.. تحتاج تمهينا وضبطا ومأسسة.
وليكن التعامل معها من جنسها، فلنعمل على إبداع آليات سريعة وخفيفة ومرنة للتعامل مع هذه تجليات الإعلام الجديد، كماهي سريعة وخفيفة ومرنة.
ولنفهم وندرك أنها هي المستقبل، والدليل أن المؤسسات الإعلامية الكبرى والعريقة تبنت هذه لأشكال وتوسعت عبرها، ولكن - وهذه هي الأهم- عملت على مواكبتها وتوجيهها برفق..
لم تلق لها الحبل على الغارب، ولم تصطدم بها وتحاول تهذيبها أو تغيير إيقاعها..
إنها تماما كالمراهق.. على والديه مسايرته ومواكبته ومتابعته بلطف وحذر ومرونة، حتى لا ينجرف نحو عوالم ضارة ويفقدون التواصل معه!!

 

الجديد نيوز: أنتم إعلامي موريتاني مطلع على واقع المهنة محليا، ولكم دراية بالإعلام المهني الخارجي.
بحسب وجهة نظركم ماهي عوائق وجود إعلام مهني وفعال بموريتانيا


نحن نستعجل غالبا ونستسلم للمقارنة ونستسهلها..
ولكن ننسى من أين جئنا..
"ما للناس إذا رأوا آخر الأمر نسوا أوله"؟!!
نحن بلد شاب والإعلام عندنا ممارسة جديدة..
موريتانيا نفسها عمرها المؤسسي قصير.. ما زالت تحبو في مدارج الطفولة المؤسسية إن صح التعبير مقارنة ببلدان ظلت دولا على مدى قرون، أو عرفت مظاهر الدولة الحديثة منذ أزيد من قرن أو أكثر.
وهذا يجعلنا نواجه وضعا خاصا انعكس على الإعلام..
ما يعانيه الإعلام ناتج عن مسار تاريخي عرفته المهنة التي ولدت في أحضان الأحزاب وعلى أيدي رجال السياسة، ولم تستطع فك الارتباط بهذه الأوساط، وكما تعلمون الصحف الأولى في تاريخ البلد، ولدت على يد سياسيين، أيام حزب الوئام أو الوفاق بقيادة النائب حرمة ولد ببانا وحزب التجمع الموريتاني بقيادة سيدي المختار ولد يحيى انجاي وغيرهما.
وبعد الاستقلال "أممت" الدولة سريعا الإعلام المكتوب وأنشأت إذاعتها الخاصة ثم ولد التلفزيون لاحقا.
وظلت لعقود تمنع أي نوع من الإعلام خارج العباءة الرسمية.
وحين اضطرت الظروف السلطات مطلع التسعينات مع التعددية الحزبية والنقابية وكتابة دستور جديد للبلاد للترخيص للصحافة الخاصة، لم تترك الأمر يمر دون أن تزرع مع البذرة الأولى أسباب فشلها، لذا ولدت تلك الصحافة المكتوبة عليلة سقيمة وغير قابلة للحياة بعيدا عن عباءة قريبة من "المخزن" تمولها وتوجهها وتخنقها متى شاءت.
وذات السيناريو تكرر مع تحرير الفضاء السمعي البصري قبل ستة عشر عاما، ونراه اليوم يُبدل جلدا آخر مع موضة المنصات التي قتلت كل شيء نبيل ومهني في الإعلام، وأنزلته من عرش صاحبة الجلالة إلى درك الابتذال و"الجف"!!
كيف نخرج الإعلام اليوم من هذه الهوة السحيقة اليت تردةى فيها؟!
هذا هو السؤال الجوهري والوجودي بالنسبة للمهنة.
سأكون "مرشخ" ولا أضيف شيئا حين أعيد طرح السؤال وأصف تحت بضع كلمات مثل "التمهين" و"الضبط" و"التكوين".. وهي كلمات نكررها ويكررها المهنيون يوميا ربما مثل أذكار الصباح والمساء دون جدوى!!
يغمرني الأسف حين أنظر لمستقبل المهنة في بعض الأحيان لكن التفاؤل لا يلبث أن ينتشلني حين أرى محاولات جادة للمحافظة على بقية أخلاق وشيء من المهنية في بحر التمييع المتلاطم من حولنا.


الجديد نيوز: البطاقة الصحفية الرسمية، تم توزيع أول دفعة منها بموريتانيا كيف ترون مساهمتها في ضبط المهنة ؟


البطاقة الصحفية مهمة وتتيح شيئا من الضبط إذا روعيت الشفافية في منحها، وتجنب المشرفون على منحها ما اعتدنا من مجاملة ومحاباة ومسايرة!!
ذات يوم انهمرت التعازي عبر الفيس بوك إثر وفاة صحفي كبير، وكل واحدة منها موقعه بـ"الزميل" الفلاني فسألني أحدهم مستغربا:
- كل هؤلاء الذين ينعون هذا الصحفي كلهم صحفيون؟!
ثم أضاف:
- موريتانيا كلها باتت صحافة!!
لم أعلق فقد كان محقا..
وأخشى أن يمنح كل هؤلاء المعزين غدا أو بعده البطاقة الصحفية.. و"يا دار ما دخلك شر"!!
ومن سيمنعهم؟!
لا أحد يمكنه أن يمنع آخر إذا بقيت أساليب التعامل مع الشأن العام هي ذاتها..
هل البطاقة الصحفية أكثر أهمية أو قدسية من احترام المسار المهني في المؤسسات وحماية الأسلاك المهنية أو ضوابط الأقدمية والترقي الوظيفي.. ونحن نرى يوميا مسؤولين ومديرين ووزراء ينزلون بالمظلة فوق رؤوس شابت وشاخت في درك السلم الوظيفي لا عن عجز ولا قلة كفاءة ولا مآخذ في التسيير أو الإدارة..
هل البطاقة الصحفية أكثر قدسية من "الساحات العمومية" التي نبتلعها ليل نهار ومعها كل المخططات الحضرية والمتنفسات البيئية الضرورية لسكان المدن؟
هل البطاقة الصحفية أكثر قدسية وأهمية من المواقع والمناصب المحروسة بعناية من قبل فئة محدودة محظوظة، لا يمسها إلا هم ومن والاهم أو صاهرهم أو سايرهم أو نافق لهم أو تمسح بأعتابهم..
البطاقة الصحفية.. شيء مهم لكنها تبقى مثل أي شيء في بلد لا توجد فيه ضوابط ولا ضفاف!!