الصين تعلن الحرب على العلاقات الغرامية عبر الـAi.. ما القصة؟

التقى المنظمون في الصين على أرضية توافقية غير متوقعة مع نظرائهم في ولايتي كاليفورنيا ونيويورك الأميركيتين، تبلورت في ضرورة وضع حد لتعلق البشر عاطفيًّا بروبوتات المحادثة الآلية.

وفي الوقت الذي يضغط فيه المشرعون الأميركيون على مطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي لدمج تدابير وقائية تخص الصحة النفسية، تتبنى بكين اتجاهًا أكثر حزمًا، إذ تفرض رقابةً لصيقةً على العلاقات الغرامية الافتراضية، مدفوعةً برغبتها جزئيًّا في دفع مواطنيها للتخلي عن تطبيقات اللقاءات الرقمية والتوجه نحو الإنجاب وتأسيس العائلات، وفقًا لـ «وول ستريت جورنال».

وأقرت السلطات الصينية اليوم الأربعاء تشريعاتٍ تحظر على برامج المحادثة المخصصة للرفقة والمؤانسة تحفيز الارتباط العاطفي لدى المستخدمين، كما تمنع تلك الضوابط إقامة صلات افتراضية مع القاصرين، وتلزم المنصات بإخطار جهات الاتصال المسجلة للطوارئ في حال استشعار مرور المستخدم بأزمة نفسية.

مخاطر العلاقات الافتراضية

وأوضح مات شيهان، الباحث في شؤون الذكاء الاصطناعي الصيني لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وهي مركز أبحاث، أن المسؤولين الصينيين يرفضون انخراط جزء كبير من مجتمعهم في علاقات وجدانية عميقة مع خوارزميات محادثة قد تبعدهم عن مسار الزواج التقليدي، فضلاً عن تبعاتها النفسية السلبية وإسهامها في نشوء حالات الإدمان والاتكال ومجموعة من المشكلات الاجتماعية الأخرى.

وطالت هذه القوانين الجديدة كيانات تكنولوجية كبرى في الصين، وفي مقدمتها علي بابا وشركة بايت دانس المالكة لمنصة تيك توك، حيث بادرتا بإخطار المشتركين لديهما بتعطيل وظائف محددة في روبوتات الدردشة التابعة لهما بحلول يوم الأربعاء.

ومع الارتفاع المتسارع في قدرات وكلاء الذكاء الاصطناعي التفاعليين، تبذل الحكومات جهودًا حثيثةً لضمان عدم تغلغل هذه الأدوات كبديل للتواصل الإنساني الفعلي، لاسيما مع تصاعد دعاوى قضائية تتهم برمجيات التحدث الآلية بدفع مستخدمين إلى إنهاء حياتهم.

 تدابير حمائية صارمة

وكانت ولايتا كاليفورنيا ونيويورك قد سنتا العام الماضي تشريعاتٍ تلزم روبوتات التحدث الآلية بتذكير المتعاملين معها بشكل دوريًّا بأنها مجرد برمجيات وليست كائنات بشرية، بمعدل مرة كل ثلاث ساعات للقاصرين في كاليفورنيا، وكل ثلاث ساعات لكافة الفئات في نيويورك، مع اشتراط توجيه من يبدون نزوعًا للانتحار إلى مراكز الدعم النفسي، تحت طائلة مواجهة الشركات لغرامات مدنية في حال الإخلال ببروتوكولات السلامة.

وتذهب التدابير في بكين إلى أبعاد أعمق، فإلى جانب حظر الارتباط العاطفي ومنع الاستخدام من قِبل صغار السن، تفرض القواعد الجديدة إخضاع برمجيات الرفقة الآلية لتقييم جهات الرقابة قبل طرحها للعامة، وتمنح الدولة سلطة إيقاف أي تطبيق يتبين عدم أمانه، ورغم استهداف هذه القرارات لمنصات الرفقة الافتراضية، فإنها قد تمتد نظريًّا لتشمل أنظمة الذكاء الاصطناعي العامة إذا بُرمجت لتقديم استجابات وجدانية.

وتأتي هذه الترسانة التنظيمية متسقةً مع مساعي بكين المستمرة منذ أعوام لضبط وتوجيه حوكمة الذكاء الاصطناعي بما يضمن عدم تشكيله تهديدًا للحزب الشيوعي الحاكم، وهي سياسة تتجاوز الأبعاد الأمنية والسياسية المعتادة.

أزمة النمو السكاني

وفي وثيقة تنظيمية صدرت عام 2024 بعنوان «إطار حوكمة سلامة الذكاء الاصطناعي»، حذر المنظمون من أن ترك الذكاء الاصطناعي دون قيود قد يؤدي لزعزعة الاستقرار المجتمعي من خلال «تحويل وجهات النظر التقليدية حول التوظيف والخصوبة والتعليم».

يأتي ذلك في وقت تراجع فيه تعداد سكان الصين خلال عام 2025 للعام الرابع تواليًا، مستقرًا عند 1.405 مليار نسمة، مع هبوط معدل المواليد لمستويات قياسية غير مسبوقة، جراء عقود من تطبيق سياسة الطفل الواحد الملغاة حاليًا، مما أنتج مجتمعًا يشيخ سريعًا ودفع القيادة لإقرار حوافز لرعاية الأطفال ومبادرات تنموية أخرى.

ولا يبدو أن الارتباط بصديق أو صديقة من رفقاء الذكاء الاصطناعي سيقدم حلًا لهذه المعضلة، حيث تساءل مات شيهان مستشرفًا المستقبل، حول إمكانية تخيل سيناريو يضم 15 مليون امرأة صينية بعد ثلاث أو أربع سنوات يعلنّ أن شركاء حياتهن مجرد روبوتات محادثة، مما يعني عزوفهن التام عن الإنجاب، مؤكدًا رغبة السلطات في دفع الأفراد لبناء صلات حقيقية في الواقع الفعلي.