ضيفنا في هذه المقابلة يمتلك تجربة تربوية ثرية تقارب 20 عاما وظفها لخدمة مجال عمله في تكوين المدرسين، غيور على المدرسة الوطنية، ويبذل جهودا كبيرة في تحسين مخرجاتها ضمن إطار عمله .
يرى ضيفنا أن تهرب البعض من مسؤولياتهم في العملية التربوية أدى لضعف مخرجاتها، مشددا على أن التكوين الجيد والمستمر للمدرسين، والمزاوجة بين طرق التوصيل تساعد حتما على تحسين تلك المخرجات .
كما أوضح أن من أكبر العقبات في التعليم عندنا هو غياب التطبيق، فالدروس كلها نظرية ممايصعب استيعاب كثير منها على التلميذ.
يؤكد ضيفنا أن جهود الدولة في سبيل إنجاح العملية التربوية تحسنت وإن كان الطريق مايزال طويلا.
ضيفنا لفت إلى أن المعلم قدوة للناشئة في سلوكه وقوله، ويجب أن يتحلى دائما بالصفات الحميدة مع الهندام الجيد.
"الجديد نيوز" يستضيف لكم الأستاذ المكوّن: محمد سالم حبيب
نصّ المقابلة
الجديد نيوز: لديكم تجربة طويلة في مجال التكوين بمدارس المعلمين، وقبلها كنتم في الميدان مالفرق بين الوظيفتين؟
تشرفت بهذا اللقاء وأتمنى لي ولكم التوفيق؛ فيما يخص السؤال المتعلق بالتجربة في مجال التكوين بمدارس تكوين المعلمين، وقبلها في الميدان، فإن الفروق بينهما تتجلى أساسا بنوعية المستهدفين، في المرحلة الأولى المستهدف هم أطفال تتراوح أعمارهم - عادة - ما بين 6 سنوات إلى 12 سنة.
وفي المرحلة الثانية هم تلاميذ معلمون سيصبحون غدا حاملين لهذه الرسالة لتأديتها على أكمل وجه، رسالة كنت أمارسها قبلهم، وبالتالي فإن تلك التجربة لها دور كبير في نقلها لهؤلاء للاستفادة منها.
في المرحلة الأولى نقوم بتبسيط المعلومة أكثر، لأن المستهدفين أطفال، بينما في المرحلة الثانية، أصحابها تلاميذ معلمون أقلهم شهادة، يحمل الباكلوريا، وهم محتاجون إلى تكميل بعض النواقص في النواحي الأكاديمية، هذا إضافة طبعا إلى البعد التربوي والنفسي والديداكتيكي الذي يحتاجون إليه في مهنتهم الجديدة.
الجديد نيوز: تخرجتم من مدرسة تكوين المعلمين مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ووصفتم جيل الأمس بالتكيّف مع شظف العيش، في حين أن جيل اليوم يجد صعوبة في التّحمل. مالسبب في ذلك ؟
يتضح أن هناك بونا شاسعا بين الخريجين في أيامنا تلك، والخريجين في أيامنا هذه، ذلك أن ظروف العيش كانت صعبة نتيجة شظف العيش وتواضع الظروف، ولكن مع كل ذلك كان الخريج متكيفا مع تلك الوضعية، ويبذل جهدا من أجل القيام بمهنته على الوجه الأكمل والأوفى مهما كانت الظروف والتحديات، وخاصة من كانوا يعملون خارج المدن.
لكنهم اليوم لم يعودوا كذلك فأصبحوا أقل تحملا، بل ويزعجهم انعدام بعض الخدمات التي لم تكن تخطر لنا في الحسبان، وعلى الرغم من وجاهة ذلك الطموح، فالمفترض أن يكونوا أكثر استعدادا وحماسا لخدمة هذا الوطن، وفي كل الظروف.
الجديد نيوز: تقدم مدراس تكوين المعلمين عادة 3 أنواع من التكوين "أكاديمي وتمهيني ورقمي. فهل من توضيح للقراء لمحتوى كل منهما؟
المحتوى الذي تقدمه مدارس تكوين المعلمين، له أبعاد عدة وهي قديمة قدم نشأة مدارس تكوين المعلمين.
إن مدارس التكوين تستهدف أبعادا أكاديمية وديداكتية وتأهيلية ورقمية.
وتقسم هذه المراحل أساسا إلى مرحلتين أساسيتين؛
المرحلة الأولى: عبارة عن الجانب الأكاديمي، بمعنى صقل تلك المعارف التي سبق وأن تحصلوا عليها، وتعديلها وفلترة ما يخدم ويتماشى أكثر مع مناهج التعليم الأساسي.
المرحلة الثانية: يحصل فيها التلاميذ المعلمون على تأهيل تكويني ديداكتيكي (الطريقة التي تدرس بها المادة في التعليم الأساسي) وبيداغوجيا، تتمثل في علوم التربية بمجالاتها، التربية العامة وعلم النفس والتشريع المدرسي، ليتمكنوا من تحقيق الأهداف الاندماجية، والتي يأتي في طليعتها تخطيط وقيادة وتقويم التعلم.
تصاحب هاتين المرحلتين، تكوينات على الرقمنة، تمكن المعلمين من التعامل مع التقنيات الجديدة، بما يضمن لهم إنجاز عملهم وبأحسن الطرق.
ولعل أهم ما أصبح يميز التكوين الجديد في مدارس تكوين المعلمين هوالمزاوجة بين النظري والتطبيقي وهو نفسه ما اسميتموه "بالتمهين".
ذلك أن البرامج الجديدة في مدارس تكوين المعلمين صيغت في مجموعة من الوحدات لفترات محددة تختتم بورشات مهنية ووضعيات تطبيقية، تمكن من تحويل الجانب النظري، إلى الجانب التطبيقي الميداني.
الجديد نيوز: يرى البعض أن ضعف مخرجات التعليم القاعدي والثانوي من أهم أسبابه النقص الملاحظ لدى بعض المدرسين. مارأيكم ؟
بالنسبة للضعف الملاحظ في مخرجات التعليم له كثير من الأسباب بعضها متعلق بالمدرس طبعا، وبعضها متعلق بأبعاد أخرى كثيرة، لكن هناك مشكلة أود أن أنبه إليها وهي ما يسمى بتحمل المسؤوليات ومعرفة مكمن وأسباب الخطأ.
المشكلة دائما أن الجميع يتهرب من مسؤولياته، ويحمّلها الآخرين.
أسباب الضعف كثيرة و متعددة، فقد تكون من المدرس بسبب إهماله أو منهجيته، وقد تكون بسبب نوع الثقافة العامة السائدة.
والحقيقة أنه حين يتحمل الجميع مسؤولياته ويطلع بها ويشعر بعظم الأمانة فإن المخرجات ستتحسن مع الوقت.
ومن المفارقات التي أصبحت ألاحظها مؤخرا، شكوى مدرسي السنوات الأوائل من قدرة التلاميذ على التهجي، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن هذه هي أهدافهم التي يفترض أن يسعوا هم أنفسهم إلى تحقيقها في ختام الحلقة الأولى.
بالمجمل فإن الضعف الملاحظ يلقي بظلاله على جميع قطاعات الدولة، ومرده عدة أبعاد فمنها المتعلق بالبيئة، والمتعلق بالمدرس، والمتعلق بالتكوين الأولي .. محصلة من عوامل شتى تتداخل جميعا لتؤثر على مخرجات التعليم.
الإصلاح الجديد يساعد في حلحلة الواقع، لكن الطريق طويل والتحديات كبيرة، وتحتاج إلى تكاتف الجهود للوصول إلى الهدف المنشود.
المعلم مربي الأجيال ويجب أن يكون لديه أسلوب جيد للتوصيل ومهارات تربوية لضبط القسم والتعامل مع نفسيات الأطفال. كيف ترون هذا الجانب من التكوين ؟
بخصوص البعد المتعلق بالتوصيل والمهارات التربوية التي تساعد في ضبط القسم والتعاون مع نفسيات الأطفال فهذا موضوع مهم، وهو مدار العملية التربوية فإذا لم يكن المعلم قادرا على ضبط قسمه، ولا يمتلك مهارات التعامل مع نفسيات الأطفال، فإن كل الجهود التي يقوم بها ينطبق عليها المثل الحساني (حلاب ناكتو في الظاية) بمعنى أنها جهود ضائعة لا يتوقع منها أن تكون ذات مردودية.
وهنا أشدد أن أول خطوة يجب أن ينتبه إليها المدرس هي أهمية التواصل والتوصيل، لأنهما المساران اللذان يلتقي فيهما المعلم بالمتعلم، وما لم ينتبه إلى ذلك فإن العملية التربوية ستتعرض لمطبات وعراقيل كثيرة تحدّ من استفادة المتعلمين إلى أبعد مدى.
والتوصيل يحتاج إلى أن يكون المدرس واقعيا، ومستعدا ومهتما ويمتلك "كاريزما" تؤهله لأداء عمله على الوجه الأكمل، ومما يساعد على ذلك التحضير الجيد ومحبة الأطفال ومراعاة نفسياتهم ومسايرتهم والانتباه إلى الفروق الفردية بينهم.
الجديد نيوز: لاشك أن الدولة تبذل جهودا كبيرة في تحسين واقع المعلم بدءا بالتكوين، مرورا بالظروف المادية والمعنوية، وانتهاء بالبيئة العامة للعملية التربوية. كيف تقيمون كل تلك المراحل؟
جهود الدولة في سبيل إنجاح العملية التربوية تحسنت وإن كان الطريق مايزال طويلا، لكنه مقارنة مع الوضع السابق يتضح أن البون شاسع جدا، خاصة بعد استحداث بعض العلاوات ، مما ساعد في حلحلة بعض الظروف المعنوية والمادية للمدرسين.
يجب أن يدرك المعنيون بالقطاع أن أهم استثمار وأهم نتيجة يمكن أن يحصل عليها الوطن هو الاستثمار في التعليم، فأي موارد وجهت إلى هذا القطاع سيكون لها انعكاسها الإيجابي ـ لا شك ـ على ازدهارالوطن ونمائه.
الجديد نيوز: يقول البعض إن إدخال الكثيرين من حملة الشهادات في القطاع دون المرور بالتكوين في مداس تكوين المعلمين ساهم في ضعف المخرجات التعليمية بالابتدائية مارأيكم ؟
التكوين الأولي مهم جدا مهما كانت الشهادات التي حصل عليها المستهدفون، لأن المدارس المهنية أكثر ما تقوم به هو عملية التمهين، بمعنى أن هذه المدارس تبين لك الطريقة التي تتعامل بها مع الأطفال من خلال علوم التربية ومجالاتها علم النفس والتربية العامة والتشريع المدرسي وكذلك من خلال الديداكتيك، وذلك بتوضيح بعض النواقص التي قد تعترض طريق المعلم من الناحية الأكاديمية والبيداغوجية وهي عامة على التعليم من حيث التعاطي مع العملية التربوية ومختلف تجلياتها من ضبط للقسم وطرائق تربوية وغير ذلك، مما يحتاجه المدرس في تعاطيه مع العملية التربوية.
وعلى كل حال؛ أحسب أن المرور على مدارس التكوين ضرورة تمليها الحاجة للاستفادة من النواحي التربوية والديداكتيكية الذي يحتاجها مدرسو الغد.
هذا إضافة إلى التكوين المستمر الذي له أهميته هو الآخر، ويمكن خلقة في بيئة التعلم عن طريق التركيز على الأنشطة التربوية المختلفة، والتي يدخل فيها تنظيم الدروس النموذجية خاصة، إذ هي فرصة لتحسين التجربة، وتبادل التجارب وتقاسمها، وكل هذا يحتاج إلى رقابة ومتابعة.
الجديد نيوز: وسائل الإيضاح والدعامات المدرسية تساعد على جودة التكوين للمدرس والتلميذ معا. هل هي متوفرة بالقدر الكافي ويجري استغلالها بالطريقة الأمثل؟
في ما يخص وسائل الإيضاح والدعامات فهي لا تتوفر بالدرجة المطلوبة، لكن العملية التربوية مدارها المُدرّس، وإن كان مهتما فبإمكانه تذليل كل الصعاب التي تعترض طريقه، وبالإرادة والتصميم يمكن توفير كل ما هو معين لتقديم الدروس بالجودة المطلوبة، وأعتقد أنه لايكفي توفرها فقط، فقد تكون موجودة ولا يتم استغلالها، وقد تستغل ولكن ليس بالطريقة المثلى، هنالك أبعاد تنبغي مراعاتها حتى نحصل على النتيجة المتوخاة من هذه الوسائل وطريقة المثلى لاستغلالها.
الجديد نيوز: يرى البعض أن من أسباب ضعف استيعاب التلاميذ هو الطريقة الإلقائية في التوصيل، بدل اعتماد طريقة المناقشة مارأيكم ؟
الطرق التربوية متعددة نذكر منها: الطريقة الإلقائية والطريقة الحوارية والزيارات الميدانية، لكن دأب المدرسون على طريقة واحدة وهي الطريقة الإلقائية وهي التي يكون فيها التلميذ هو المتلقي والمدرس هو الذي يقدم كل شيء، وهذه النقطة ينبغي الانتباه إليها جيدا والوقوف عندها، فالطرق التربوية مهمة جدا لأنها هي الجسر التي ننقل عبره المعارف، ويجب التنويع بينها دون الاقتصار على واحدة منها، والاستفادة مما تقدمه من مزايا.
والمدرس الجيدة هو الذي يزاوج بين هذه الطرق ولا يقتصر على واحدة منها، بل إنه في كل مرة يتبنى طريقة معينة حسب نوع الدرس وحسب المستويات وحسب المدة الزمنية ..وعلى المدرسين أن يطوروا بشكل مستمر من معلوماتهم ومهاراتهم ..
الجديد نيوز: المدرس قدوة في السلوك قبل القول، ويجب أن يكرس ذلك في كل مناحي الحياة ليصون مكانته،خاصة داخل المجتمع. فكيف ترون تطبيقه لذلك في الواقع ؟
المعلم قدوة وينبغي أن نقدر رسالته، وأن يستشعر هو عظم مسؤولياته، هذا العامل كفيل بأن يغير من واقعه ومراجعة مسلكياته وتصرفاته، وبالتالي يصبح قدوة للتلاميذ وحين يقررمعهم واقعا فإنه من الصعب زحزحته من عقولهم، وحين يعود التلميذ للمنزل ويسمع في نقاش معلومة تتنافى مع ما سمعه من مدرسه فإن التلميذ لن يقبل ذلك لأن المدرس عنده مقدس وكل ما يقوله لا يتسلل إليه الشك، وهذا يفرض على المعلم أن يكون متسلحا بالمعارف والمهارات اللازمة وأن ينتبه لمسلكياته، لأن التلاميذ معجبون بمعلميهم ويقتدون بهم، وهذه العوامل مجتمعة تفرض على المدرس أن يكون على مستوى التحديات.
ينبغي على المدرس - كذلك - أن يهتم بهندامه لأن الهندام له تأثيره الكبير؛ يقال في المثل: ثيابك ترفعك قبل جلوسك وعلمك ينفعك بعده.
على المعلم أن يجمع بين هاتين الخصلتين، ويفهم أن المجتمع أصبح مجتمع مظاهر، يولي لها الاهتمام الكبير، بعيدا عن الجوهر واللباب.
