إمكانية استخدام عقود المداينات لتغطية التزامات المؤسسات

  د. رقية أحمد منّيه

مقدمة
أضحت معضلة تمويل رأس المال العامل عقبة في وجه نظام التمويل المتوافق مع مقتضيات الشريعة الإسلامية، وأصبح أهل التخصص في حاجة ماسة إلى البحث عن مخارج جديدة؛ تجنب الوقوع في المحظور، وتستفيد من سعة مساحة المباح، ويمكن البحث لها عن مخارج شرعية بعيدا عن الحيل الربوية الممنوعة، والفيصل في ذلك سلامة المعاملة؛ من حيث الضوابط والتزام معيار الجمع بين العقود، دون ترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام عمليات التورق المنظم.
من أنواع عقود المداينات الكثيرة الاستخدام في المؤسسات المالية الإسلامية؛ السلم والاستصناع، ورغم الفروق العديدة بينهما في إنشاء العقد وضوابط تنفيذه، إلا أنه لا فرق بينهما من جهة منع استخدامهما في عمليات قلب الدين في البنوك، وهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن حظر التعامل ببعض صور قلب الدين التي يجري التعامل بها في المؤسسات المالية الإسلامية؛ فكل صورة من صور قلب الدين تُفضي إلى زيادة الدين على المدين مقابل الزيادة في الأجل أو تكون ذريعة إليه تعد من فسخ الدين بالدين الممنوع شرعا  
ومع ذلك لا تزال مسائل تنزيل ذلك في الواقع المؤسسي من أبرز الإشكالات التمويلية، إذ لا يخفى صعوبة استخدام عقد السلم لتغطية عمليات ترتبت عليها التزامات مالية سابقة، أصبحت دينا على المؤسسة طالبة التمويل، إذ عقد السلم يشترط فيه تقديم رأس المال، فلا يجوز أن يكون الدين رأس مال السلم، مثل جعل القروض النقدية أو ديون المعاملات المستحقة التي للمؤسسة على العميل رأس مال سلم. كما لا يجوز أن يكون دور المؤسسة تمويل عقد استصناع أبرم بين مستصنع وجهة أخرى، ولاسيما عند عجزه عن سداد مستحقات تلك الجهة، سواء كان ذلك قبل الشروع أم بعده.
 مشروعية عقد السلم
الأصل في جواز بيع السلم، حديث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَسْلًفَ في شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومً} الحديث دليل على جواز السلم في الجملة ، ونقل ابن دقيق العيد الاتفاق عليه  
حكمة تشريع السلم
حكمة تشريع السلم أنه ييسر حاجة الناس في الحصول على التمويل؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة عليها لتكمل، وعلى أنفسهم حين تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم ليرتفقوا للحصول على النقد ويرتفق المسلم (المشتري) بالاسترخاص؛ لأنه غالباً يحصل على السلعة بثمن أقل من سعر السوق.
ويلبي السلم حاجة قطاعات كبيرة من أصحاب الأعمال على مختلف درجاتهم الصغيرة والمتوسطة والكبيرة ممن لهم استثمارات زراعية وصناعية وتجارية وما في حكم ذلك وتحتاج هذه الأعمال إلى رأس المال العامل نقداً أو عيناً حتى تنتج، فهو يتيح التمويل النقدي للاستثمارات، كما أنه يغطي طلب من يحتاج إلى سيولة ما دام قادراً على الوفاء بما يقابلها عند الأجل والسلم وإن كان يستخدم غالباً في مجالات الزراعة فإن مشروعيته ليست مقتصرة عليها، إذ يجوز استخدامه في مجالات الاستثمار الأخرى، كالصناعة والتجارة. ويلبي السلم الاحتياجات العاجلة للسيولة، كما يعطي المسلم إليه (البائع) مرونة في استخدام الثمن، وفرصة لتدبير المقابل (المسلم فيه) وتسليمه عند أجله للمسلم.
كل ذلك بشرط عدم ربطه بعقد مداينة سابق مثل مرابحة تأخر سداد ديونها، أو جعل رأس المال السلم التزامات سابقة وغير ذلك من صور التعامل الممنوع.
ضوابط عقد السلم
عقد السلم عقد أبيح على غير الأصل مراعاة للحاجة؛ ولذلك السلم في مذهب مالك وأصحابه جائز فيما ينقطع وفيما لا ينقطع وعند الشافعي دخل بيع ما ليس عنده. ولا يخفى أن بيع السلم يدخل في تمليك المعدوم والمشهور أنه لا يصح ، ولكن الدليل نص على إباحته من باب مراعاة حاجة الناس إليه، وللسلم عند العلماء شروط لا بد من توفرها لإحراز القبول على الإجمال، وإن اختلفوا في التفصيل، وللسلم عند المالكية خمسة شروط لا يصح إلا بها؛ فإذا وقع السلم على غيرها لم يجز ويفسخ ولا بأس بالسلم عندهم بتعجيل أو تأخير إلى مثل يومين أو ثلاثة. وشرطه قبض رأس المال، ولا يجوز فيه التأجيل لأزيد من ثلاثة أيام عند المالكية  
أما بخصوص الجمع بين المداينة وعقد السلم؛ فرأي أبي حنيفة المنع. وهذا رأي المالكية وإن شدد بعضهم في المسألة. ثم إن قلب الدين الذي في ذمة العميل ليكون ثمنا للسلم يتصادم مع شرط قبض الثمن ، وذلك أن الفقهاء يشترطون أن يكون رأس المال نقدا، ويجوز تأخيره لغير شرط؛ ثلاثة أيام ونحوها، واشترط الشافعي وأحمد التقابض في المجلس ويشترط لإبرام عقدي السلم والسلم الموازي عدم الترابط بين العقدين وذلك شرط يمثل محورا جوهريا في عمليات جواز الجمع بين العقود. 
إمكانية استخدام عقد الاستصناع لتغطية التزامات المؤسسات
 الاستصناع كما في التحفة عقد على مبيع في الذمة وعند المالكية سلم في الصناعات، كما في المدونة  
مشروعية عقد الاستصناع
ثبتت مشروعية الاستصناع باستصناعه - صلى الله عليه وسلم - الخاتم والمنبر، وبالاستحسان والقواعد العامة في العقود والتصرفات والمقاصد الشرعية، وهو عقد بيع لازم وليس مجرد وعد، وقد صدر بشأنه قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
ضوابط عقد الاستصناع
عقد الاستصناع ملزم للطرفين إذا توافرت فيه شروطه، وهي: بيان جنس الشيء المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة ومعلومية الثمن وتحديد الأجل إن وجد. ويثبت للمستصنع الخيار إذا جاء المصنوع مخالفاً للمواصفات المشروطة.
لا يختلف الاستصناع عن السلم في جواز تأجيل أو تقسيط الثمن فيه إلى أقساط معلومة لآجال محددة وكذا ترديد الثمن، ويجوز ربطها بمراحل الإنجاز، كما أنه لا يجوز إجراء المرابحة في الاستصناع بأن يحدد الثمن بالتكلفة وزيادة معلومة ، ومن الفروق الأساسية بين الاستصناع والسلم أنه لا يشترط تعجيل الثمن في الأول بخلاف الثاني، إلا أنه لا يجوز أن تتم عقود أو إجراءات الاستصناع بصورة تجعل العملية حيلة على التمويل الربوي، مثل التواطؤ على شراء المؤسسة من الصانع مصنوعات أو معدات بثمن حال وبيعها إليه بثمن مؤجل أزيد، أو أن يكون طالب الاستصناع هو نفسه الصانع، أو أن يكون الصانع جهة مملوكة للمستصنع بنسبة الثلث فأكثر، حتى لو تم ذلك عن طريق المناقصة، وذلك تجنباً لبيوع العينة.
لذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بحظر صور قلب الدين التي يجري التعامل بها في المؤسسات المالية الإسلامية؛ كل صورة من صور قلب الدين تُفضي إلى زيادة الدين على المدين مقابل الزيادة في الأجل أو تكون ذريعة إليه تعد من فسخ الدين بالدين الممنوع شرعا 
الفرق بين الاستصناع والسلم
يختلف الاستصناع عن السلم بأن الاستصناع عقد على عين موصوفة في الذمة اشترط فيها العمل فلا يجري إلا فيما يتطلب صناعة، أما السلم فهو عقد على عين موصوفة في الذمة لم يشترط فيها العمل.
الفروق بين (المعيار الشرعي لـلسلم والسلم الموازي) (والمعيار الشرعي للاستصناع والاستصناع الموازي)؛ في أن السلم عقد بيع آجل بعاجل (المبيع مؤجل والثمن معجل)؛ يُشترط فيه دفع رأس المال بالكامل في مجلس العقد ولا يجوز تأخيره فوق ثلاث، وأما المبيع فيكون موصوفا في الذمّة وصفًا نافيًا للجهالة، ويشترط في المسلم فيه أن يكون من المثليات المتقاربة وأن يكون عام الوجود في الأسواق، ويناسب عقد السلم النشاط الزراعي، ولا يجوز عقد السلم في المعيّن، بينما الاستصناع عقد على صناعة مصنوع، ولا يكون إلا فيما تدخله الصنعة، ويجوز فيه تأجيل الثمن أو تقسيطه، أو ربطه بمراحل إنجاز الشيء المصنوع، ويناسب عقد الاستصناع قطاع المقاولات، وعقد الاستصناع يعرف عند المالكية بأنه؛ سلم في الصناعات. 
أمّا الفروق الأساسية:
• تقديم الثمن: في عقد السلم، يجب تعجيل الثمن (رأس المال) بالكامل في مجلس العقد، أما في الاستصناع، فيجوز تعجيل الثمن، أو تأجيله، أو تقسيطه على مراحل الصنعة.
• محل العقد: السلم غالباً ما يكون في الزروع والسلع والمواد الخام (الذمة) التي لا تحتاج إلى صنعة، بينما الاستصناع خاص بالسلع التي تحتاج إلى عمل وصنعة (مثل المباني، الآلات).
• اللزوم: عقد الاستصناع يعتبر ملزماً للطرفين عند جمهور الفقهاء إذا توافرت شروطه، في حين أن السلم ملزم من الطرفين منذ البداية.
• جواز التفرّق: يجوز في الاستصناع التفرق قبل دفع الثمن (لا يُشترط قبض الثمن في المجلس)، بخلاف السلم الذي يُبطل العقد فيه تفرق الطرفين قبل قبض رأس المال.
• الاستصناع الموازي: يتيح المعيار الشرعي للاستصناع للمؤسسات المالية عمل "استصناع موازي" (تعاقد مع العميل ثم تعاقد آخر مع الصانع الفعلي)، وهو ما لا يوجد في السلم بنفس الصورة، ويتم تطبيق المعيار الشرعي للاستصناع عادة في عمليات التمويل العقاري والإنشائي حيث يتم بناء الأصول وتسليمها في وقت محدد مسبقاً، بينما يتم إبرام السلم الموازي بقصد بيع (السلعة الموصوفة) في العقد الأول بشرط الفصل بين العقدين، ولا ضير في أن المواصفات متطابقة.
خلاصة
إن موضوع تغطية التزامات المؤسسات مسألة؛ تطرح إشكالا ملحا ومتزايدا، لما لها من تأثيرات مباشرة على القدرة التمويلية بشكل عام، وعلى أصحاب المشاريع المتوسطة بشكل خاص، ولكن لا يمكن تغطية الالتزامات إلا بصيغ مقبولة شرعا، وهو ما طالب به المجمع بدعوته المؤسسات المالية الإسلامية إلى مساعدة المدينين المتعثرين من خلال خطة تمويلات تمكنهم من النهوض بأنشطتهم، ومن ثم تمكنهم من سداد ديونهم وهو ما يكمن في عمليات من العقود المنفصلة غير المرتبطة، ترفع من ملاءة المدين، وتحقق استمرارية للمشروع.

والله أعلم بالصواب وعليه المعتمد.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.