​الشاعرة فاطمة محمد يحيى (نزيهة) في حوار مع "الجديد نيوز" : البدايات بدأت سَمَراً، واليوم نكتب "ارتواء" للوجدان.

​الشاعرة: فاطمة محمد يحيى (نزيهة)

حين يلتقي سحر الإيقاع الشعري بصرامة القواعد النحوية، وينصهر شغف الإبداع بوعي المعرفة، يولد صوت أدبي استثنائي يمتلك القدرة على ملامسة الوجدان وإثراء الفكر.


​في هذا الحوار الشيق، نأخذكم في رحلة شفيفة ومثرية مع قامة أدبية موريتانية بارزة؛ شاعرة وقاصّة وباحثة، استطاعت أن تحول التنوع المعرفي الفريد – بين النحو والصرف، والمعلوماتية، والمحاسبة التسويقية – إلى أدوات ذكية لخدمة مشروعها الثقافي والأدبي.


​نفتح معها نوافذ على بداياتها العفوية، ومحطات تتويجها الكبرى في مسابقات الشعر والقصة والمقال، لنغوص في رؤيتها العميقة لواقع الثقافة والركود الراهن، وهموم تدريس اللغة العربية للناشئة، وصولاً إلى دور المرأة الموريتانية بوصفها شريكة حقيقية وصانعة للمشهد المدني والثقافي.

 

الجديد نيوز: كيف كانت بداياتكِ مع الشعر والكتابة، وكيف نجحت في الجمع بين صرامة القواعد النحوية (بحكم تخصّصكِ الأكاديمي) وعذوبة الإبداع الشعري؟

أولا أشكركم جزيل الشكر على هذه الاستضافة 
بالنسبة لبداياتي؛ بدأتُ مع الشعر قبل أن أعرف ما هو الشعر أصلاً، كنت طفلة تحفظ ما لا تفهم، وكان بيتنا عامراً كل ليلة بسمرٍ أدبي "الندوة الشعرية" كنت أردد الأبيات لا لشيء، إلا لأن إيقاعها كان يدهشني كان البيت الشعري يشبه لعبة موسيقية، يستقر في صدري قبل أن يصل إلى عقلي.


ولما كبرت، لم أكن أخطط للتخصص في اللغة، دخلت شعبة اللغة العربية وفي نيتي أن أتجه بعدها إلى الإعلام، وبعد سنة كاملة من الدراسة، حين علم والدي برغبتي فأعرب عن استيائه من ذلك التخصص، فاخترت أن أكمل طريقي في اللغة العربية، وكنت حينها مولعة بالكتب إلى أقصى حد، فوسعت مكتبتي وركزت على كتب التخصص: النحو والصرف والعروض وهناك أدركت أن البداية كانت تذوقا، والاستمرارية تخصصا وحين التقى الذوق بالتخصص، وُلد صوتي.

 

الجديد نيوز: حققتِ المرتبة الأولى في مسابقة الشعر الفصيح بالأسبوع الوطني للثقافة في ألاك، وشاركتِ في مسابقة "شاعر الرسول". ما أثر هذه المحطات الكبرى على مسيرتكِ؟

 

مسابقة "ألاك" لم تكن مجرد مسابقة، بل كانت ميلاداً.


فهي أول جائزة أحصل عليها في مسقط رأسي، عندما نودي باسمي في المرتبة الأولى في الأسبوع الوطني للثقافة في ألاك، شعرت أن الشعر لم يعد سري الخاص في دفتري، بل أصبح صوتاً يسمعه الآخرون ويصفقون له.

 مسابقة ألاك أعطتني الشرعية الجهوية، وأعطتني الثقة بأن ما أكتبه ليس مجرد محاولة في مذكرة، بل هو شعر يستحق أن يقف قائله على المنصة.


أما مسابقة "شاعر الرسول" صلى الله عليه وسلم، فكانت محطة مختلفة تماماً ..
لم أخض غمارها لمجرد الحصول على لقب، بل لأحظى بشرف مدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالكتابة عنه تهذب اللغة وتؤدب القلب، وقد تعلمت منها أن أجمل قصائدي ليست تلك التي أبكي فيها وطنا أو حبا، بل تلك التي أتوسل فيها بحب أعظم.


المحطتان معاً علمتاني الدرس الأهم: الجائزة الحقيقية ليست اللقب، بل الجمهور الذي يأتي بعد ذلك ليقول لك: أنا أنتظر جديدك، وأيضا تلك القامات الشعرية التي ستتبادلين معها الأفكار


الجديد نيوز: أنت شاعرة وقاصّة؛ ولا شك أن في الطريق ديوانا شعريا ورواية.
هل يمكنكِ إعطاؤنا لمحة عن مضامينهما والرسائل التي تحملانها للقارئ؟  

 

عادةً لا أبوح بشيء ما زال في طيّات المستقبل، فلا أعرف حقاً هل سأكون حاضرة لخروجه إلى العلن، لكني سأحدثكم عن هذه التجربة لأنها تجربة مكتملة، ولم يعد يحبسها إلا أن أجد لها جهة مهتمة.

 

ديواني القادم عنوانه "ارتواء"، وقد اخترت هذا العنوان تفاؤلاً. أردته اسماً يوحي بأن الشعر يروي، وأن اللغة إذا أُحسن سقيها أثمرت.

 

ويركز الديوان على ثلاثة محاور أساسية:
أولاً، الصوت الأنثوي: أن تكتب المرأة عن نفسها بلسانها، بعزةٍ وحبٍ ووعي، بعيداً عن الصورة النمطية التي حبسها فيها الشعر القديم، وبعيداً عن تعبير الجنس الآخر عنها.


ثانياً، القضايا الوطنية: لأنني ابنة موريتانيا، ولا يمكن لقصيدتي أن تنفصل عن أرضها، ستجدون فيه قصائد للوطن كما أعيشه وأحسه.


ثالثاً، القضايا الوجدانية: وهي المساحة الأصدق لدي، ما بين الحب والانتظار واليقين.
"ارتواء" هو محاولتي لأقول إننا كنساء قادرات على أن نكتب وجداننا بلغة فصيحة، جزلة، لا تتنازل عن عمقها ولا عن أنوثتها.
وإن كان الشعر بالنسبة لي لحظة شاعرية غير مقترنة بزمن، فالرواية هي مساحة للتأمل ،ولهذا لا أريد أن أفشي سرها الآن، سأدع قراءها يتوقعون، كل ما أستطيع أن أعدهم به هو أنها ستكون مختلفة، وأمنيتي الوحيدة منها، أن يجد القارئ نفسه في سطرٍ كتبته، فيشعر أنه ليس وحده.

 

الجديد نيوز: فزت بالمرتبة الثانية في مسابقة "الكاتب الذهبي" في القصة، وحققت المرتبة الرابعة على مستوى العالم العربي في مسابقة المقال. 
ما هي التحديات التي تواجه الكاتب وهو ينتقل بين عوالم القصة القصيرة والمقال الفكري؟ 

التحدي الأكبر بالنسبة لي هو أن لكل جنس لغته ومزاجه ففي القصة القصيرة، أنتِ مطالبة بأن تكوني مقتصدة، أن تقولي الكثير بالقليل، أن تتركي فراغاً للقارئ ليعيش الأحداث، وأما في المقال الفكري، فالعكس تماماً فأنتِ مطالبة بأن تكوني مباشرة، حجتك واضحة، لغتك برهانية، لا مجال للغموض المقال يريد فكرة تدافعين عنها من أول سطر إلى آخر سطر.
الانتقال بينهما يشبه أن تغيري صوتكِ، فاللغة التي تخاطبين بها الصغار، تختلف عن النبرة والقاموس الذي يخاطب به الكبار، وللأصدقاء ـ أيضاًـ  نبرتهم وقاموسهم الخاص، فالتحدي الحقيقي هو أن أتعلم متى أكون شاعرة تلمح، ومتى أكون كاتبة توضح.


لكن ما اكتشفته هو أن هذا التنقل يغذي بعضه بعضاً، فالقصة علمتني أن أجعل مقالي إنسانياً، والمقال علمني أن أجعل قصتي ذات فكرة.

 

الجديد نيوز: ​باعتبارك باحثة مهتمة بقضايا الأدب والثقافة وعضوة في عدة روابط أدبية (عروج الأدبي والرابطة الموريتانية للأدب والثقافة)، كيف تقيمين الواقع الثقافي والأدبي الراهن؟  


الواقع الثقافي والأدبي في موريتانيا اليوم يعيش حالة ركود ربما لم يعشها من قبل..
وطبعا لا يمكن إنكار أن هناك صحوة جميلة، هناك أسماء شابة تكتب بجدية، وهنالك منتديات واتحادات جادة تحاول أن تخلق فضاءً بديلاً عن المركزية، لكن من ناحية أخرى، ما زلنا نواجه تحديات حقيقية:
أولاً: الثقافة ما زالت موسمية، تنشط في المهرجانات والأسابيع الثقافية، ثم تختفي فنحن نحتاج إلى فعل ثقافي يومي ومستدام.


ثانياً: هناك فجوة بين المبدع والمؤسسة؛ المبدع يكتب، لكن لا يجد جهة نشر، ولا دعم طباعة، ولا توزيع. كثير من الدواوين والروايات تظل حبيسة الأدراج وديواني وروايتي خير دليل على ذلك.

 

ثالثاً: نحتاج أن نخرج من ثقافة التصفيق والتلميع إلى ثقافة النقد، نحن نصفق كثيراً لبعضنا، لكننا لا ننقد بعضنا بجدية،وبدون نقد حقيقي، لا يتطور الأدب. 


وأنا متفائلة رغم ذلك، لأن الجمهور تغير، أصبح يقرأ، يسأل، ينتظر الجديد. وهذا بحد ذاته هو الرهان الحقيقي.


​الجديد نيوز: تمتلكين خبرة في تدريس اللغة العربية وموظفة بسلك معلم رئيسي. 
كيف ترين واقع تدريس اللغة العربية اليوم، وكيف يمكن تحبيب الناشئة في قواعدها وأساليبها البليغة؟  

كوني في الميدان كمعلمة رئيسية، أرى أن المشكلة ليست في اللغة العربية، بل في طريقة تقديمها فأطفالنا لا يكرهون العربية، هم يكرهون الطريقة التي نقدمها بها نقدمها كقواعد جافة للحفظ، كقائمة ممنوعات: "لا تقل كذا، لا تكتب كذا"، فأصبح التلميذ يخاف منها بدلاً من أن يحبها.


واقع التدريس اليوم يواجه تحديين: تحدي المواد المعربة حديثا ومن يدرسها نفسه قرأها بلغة أخرى، وتحدي وسائل التواصل التي تقدم لهجة سهلة وسريعة.


من تجربتي نحببها للناشئة بثلاثة مفاتيح:
أولاً أن ندرّس النص قبل القاعدة، لا أعطي التلميذ قاعدة "كان وأخواتها" مجردة، بل آتيه ببيت من الشعر أو بآية أو بجملة يحبها، فيلمس جمال القاعدة قبل أن يحفظها.


ثانياً أن نعيد العربية إلى الحياة بحيث نطلب من تلاميذي أن يكتبوا رسالة حب لأمهم بالفصحى، أو أن يصفوا مباراة كرة قدم بالفصحى، أو أن يعلقوا على صورة بالفصحى عندها فقط يروها لغة حية يحبونها.


ثالثاً، القدوة لن يحب التلميذ العربية ومعلمته تعتذر عن التحدث بها، أنا في قسمي أتكلم معهم بالفصحى المبسطة طوال الحصة، ليس تكلفاً، بل حباً وإذا أحبوا المعلم، أحبوا مادته طبعا. 


اللغة العربية ليست مادة للرسوب والنجاح، بل هي هويتنا، وإذا أردنا أن يحبها الجيل علينا أن نُريهم أنها تحتوى كل شيء، حتى أسرارهم الصغيرة.


الجديد نيوز: ​لفت انتباهنا تنوع شهاداتك بين النحو والصرف، المعلوماتية، والمحاسبة التسويقية. كيف وظفت هذا التنوع المعرفي في خدمة مشروعك الثقافي والأدبي؟  


في البداية كان هذا التنوع يبدو لي تشتتاً، لكنني مع الوقت اكتشفت أنه تكامل؛ فالنحو والصرف هما الأساس لا يمكن أن أكون أديبة دون أن أمتلك مفاتيح اللغة فدراستي للنحو علمتني الدقة، أن الكلمة مكانها مقدس، وأن الحركة تغير المعنى هذا ما يجعلني حريصة جداً على لغة جزلة في أي شيء أكتبه.


المعلوماتية لغة العصر أنا أومن أن الأديب إذا لم يكن حاضراً رقمياً، فهو غائب. المعلوماتية ساعدتني أن أوثق أعمالي، أن أدير صفحاتي، أن أفهم كيف تصل القصيدة اليوم عبر الهاتف قبل أن تصل عبر الكتاب وهي ما يجعلني أفكر أن مستقبل الأدب ليس ورقياً فقط.


أما المحاسبة التسويقية، فقد علمتني أهم درس يغيب عن كثير من الأدباء: أن الأدب الجيد يحتاج إلى تسويق جيد أن تكتبي نصاً رائعاً لا يكفي، يجب أن تعرفي كيف تقدمينه، كيف تختارين عنوانه، كيف تصلين به إلى الجهة المهتمة، وكيف تصنعين له جمهوراً.

 كثير من الكتب الجيدة تموت لأن أصحابها لا يعرفون كيف يسوقونها.


فأنا لا أرى نفسي جمعت شهادات متفرقة، أنا أرى أنني بنيت مشروعاً: لغةٌ متقنة من النحو، وأداةٌ عصرية من المعلوماتية، وخطةٌ وصول من التسويق.

 

الجديد نيوز: تتولين عدة مسؤوليات قيادية نسوية (مسؤولة النساء في المنتدى الثقافي ونادي الكتاب الساخرين). ما الدور الذي تلعبه المرأة الموريتانية اليوم في إثراء المشهد الثقافي والمدني؟  


المرأة الموريتانية اليوم لم تعد ضيفة على المشهد الثقافي، بل أصبحت شريكة في صناعته، ففي السابق كان حضور المرأة في الأمسيات للاستماع، واليوم هي من تكتب وتدير الأمسية، وتناقش وتنقد
وما يميز دور المرأة اليوم في رأيي هو ثلاث نقاط:


أولاً: أنها أدخلت قضايا جديدة إلى الأدب فلم تعد الكتابة حكراً على السياسة والمدح، بل أصبحت هناك كتابة عن البيت، عن الأمومة، عن التفاصيل الصغيرة التي كنا نعتبرها غير أدبية.

 

ثانياً: أنها أكثر التزاماً؛ فالمرأة إذا التزمت بمشروع ثقافي، تعطيه وقتها وقلبها فهي تحضر مبكراً، وتجتهد في العمل وهذا الالتزام هو ما يحتاجه أي عمل.


ثالثاً، أنها جسر المرأة المثقفة اليوم هي جسر بين جيلين: بين جدتها التي تحفظ  شفاهة، وبين ابنتها التي تكتب في عصر السرعة وبدورها هذا تحفظ الهوية.


طبعاً ما زال الطريق طويلاً، ما زالت هناك نظرة تقول: هذا مكان جنس معين وما زالت المرأة تواجه عبء التوفيق بين بيتها وعملها الثقافي، لكن ما أراه في المنتديات يطمئن فتيات في العشرين ونساء في الأربعين وأخريات في الستين كلهن جمعتهن كلمة الأدب، فأتمنى أن أرى للمرأة الموريتانية في الثقافة مكانة مرموقة تليق بفكرها الراقي وتثمن سهرها على المصلحة الأدبية والثقافية.

 

المرأة الموريتانية اليوم لم تعد ضيفة على المشهد الثقافي، بل أصبحت شريكة في صناعته، ففي السابق كان حضور المرأة في الأمسيات للاستماع، واليوم هي من تكتب وتدير الأمسية، وتناقش وتنقد.

 فأتمنى أن أرى للمرأة الموريتانية في الثقافة مكانة مرموقة تليق بفكرها الراقي وتثمن سهرها على المصلحة الأدبية والثقافية.

 

الجديد نيوز: نلتِ عدة تكريمات بارزة، منها تكريم من بيت الشعر بنواكشوط برعاية دائرة الثقافة بالشارقة. ماذا تمثل لك هذه الشهادات والتكريمات في مسيرتك؟ 

 
​التكريم، وخاصة عندما يكون من جهة وازنة مثل بيت الشعر بنواكشوط ، وبرعاية دائرة الثقافة بالشارقة فهو أكثر قيمة من أي شيء.


ففي مسيرة الكتابة، أنتِ تمشين وحدكِ في كثير من الأحيان وتكتبين في عمق الليل وتراجعين وتصححين وتشكين في النص، وتتساءلين هل يستحق ما أكتبه أن يُقرأ؟ يأتي التكريم ليقول لكِ: أنتِ على الطريق الصحيح، استمري، فأفكارك أمل لنهضة أمة، فعندما كُرمت في القصة والشعر والمقال، شعرت أن سقف توقعات الناس ارتفع، وأنه لم يعد مسموحاً لي أن أكتب نصاً عادياً.


أما بالنسبة لتكريم بيت الشعر تحديداً كان له طعم خاص، لأنه بيت لكل الشعراء، وأن أكرم فيه أنا بالتحديد دون غيري من النساء الكثيرات فهذا يعني أن صوتي أصبح لديه جمهور تخطى حدود البلد.