المهندس: مــحـمــد مـحــمــد لـــقـــمان
مماعلق بذاكرتي عن رمضان الأول في الغربة، أنني صمته في مدينة اللاذقية، المدينة السورية التي تتنفس المتوسط.
لقد حباني الله بالسكن في حي محافظ بتلك المدينة، كثير المساجد تنبعث من مآذنه تلاوة ندية لقراء مجيدين .
وصلت بفترة قصيرة قبل بداية رمضان، وطبعا كانت الأجواء مختلفة عما عهدته بموريتانيا، وقد أحسست بوحشة الغربة وبرودة الطقس واستقبلني المطر المنهمر.
لرمضان طقوس كثيرة ببلاد الشام؛ سرني أن تعرفت على بعضها لأول مرة، كـ"المسحراتي" الذي يوقظ الصائمين وقت السحر، ومدفع رمضان وهو مدفع يستخدمه الجيش للإعلان عن موعد الإفطار.. كما تعرف على بعض الوجبات الرمضانية الشامية الشهية.
أول رمضان لي في تلك الأرض المباركة الساحرة، امتزجت فيها رائحة البحر وروحانية الشهر الكريم.
كان من نِعم الله علي أن أول رمضان أصومه بعيدا عن الأهل وخارج ربوع الوطن كان في مدينة اللاذقية، وهي مدينة سورية تتنفس المتوسط ولذلك تُلقب بعروس الساحل، تقع على مسافة 350 كلم من العاصمة دمشق، ثم إن الله اختار لي من أحيائها حي "الصليبة" وهو حيٌّ قديم وقد بقي مُحَافِظًا ويُعدّ من أكثر الأحياء انتشارا للمساجد.
هنالك بجوار ثانوية الشهيد محمد شكري حكيم تنتصب العمارة التي كنت أسكن فيها وهي عمارة تتكون من خمس طوابق كل طابق يحوي شقتين، تقاسمت الطابق الأخير منها مع عائلة المهندس جمال فرح،وهو مهندس مدني درس في كلية الشريعة بعد الهندسة وأصبح بعد تخرجه منها خطيبا لأحد جوامع المدينة، كان على قدر كبير من الأخلاق والالتزام والكرم وهي خلال متوارثة في العائلة.
كان وصولي للمدينة الساحلية قبل الشهر الفضيل بفترة قصيرة.
وحشة الغربة، والطقس البارد جدا والمطر المنهمر كانوا في استقبالي.
كانت ذكريات أول رمضان في تلك الأرض المباركة الساحرة، وقد امتزجت فيها رائحة البحر وروحانية الشهر الكريم..
طقوس رمضانية شامية تعرفت عليها لأول مرة منها:
-المسحراتي وهو شخص يجوب الشوارع ليلا، يستخدم: طبلا أو مزمارا وأحيانا يكتفي ببعض الأناشيد الدينية الجميلة الهادفة لإيقاظ الصائمين للوجبة المباركة (السُّحور)
-مدفع رمضان وهو مدفع يستخدم للإعلان عن موعد الإفطار حيث يقوم الجيش بإطلاق قذيفة مدفعية يدوي صوتها في أرجاء المدينة المستلقية على الشاطئ لحظة الغروب.
أتذكر أنني أُصِبت بالذعر الشديد أول مرة عند سماعه، ولا غرابة في ذلك فأنا بعيد كل البُعد عن " أستعريب ".
-بعض الوجبات؛ والتي قد لا يرتبط بعضها برمضان حصرا مثل: لفريكة والمقلوبة والأرز بالعدس بالإضافة إلى أطباق: الحمص واللبْنة والفتة، صحيح أن بعضها لم يُعجبني أول مرة ولكنّها أحببتها بعد ذلك.
كان بجوار المنزل ثلاثة مساجد على مسافة متقاربة منه، اخترت أحدها لارتياده وهو جامع " البيرقدار " نسبة إلى إحدى عائلات اللاذقية المشهورة والتي يظهر من سحنات أبنائها وقاماتهم أن أصلها تركي، كان الشيخ "عبد الرزاق العجان" هو من يتولى رفع الأذان والإقامة وإمامة المصلين، وهو شخص وقور تظهر عليه سمات الخير والصلاح.
كانت فرحة الإفطار مضاعفة بسماع صوته العذب الجميل وهو يردد: الله أكبر الله أكبر.. ونفس الشيء مع السَّحر وهو يكسر صمت الليالي الباردة الماطرة بالتسبيح والتهليل بصوتها الجميل
قبل أن يرفع أذان الفجر .
لم يكن نهار الصوم في تلك الفترة طويلا ولا شاقًّا فمدته لا تتجاوز عشر ساعات فالموسم شتاءٌ حيت الأمطار الغزيرة والبرد القارس.
يسابق الطلاب والتلاميذ والأساتذة الزمن للوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم وكذلك المُوظَّفون إلى مكاتبهم في الوقت المُحدَّد، أما أصحاب المهن الحرة فربما تأخروا قليلا. واحتراما لمظاهر الشهر الفضيل تبقى المطاعم والمقاهى مغلقة طوال النهار بل إن معظم المطاعم تُغلق أبوابها في الشهر الكريم.
يزدحم الناس قبل أذان المغرب على المخابز ومحلات بيع الفطائر والفواكه والمشروبات وتبدأ بعد ذلك زحمة السير الخانقة كلٌّ يريد اللحاق بمنزله للظفر باستراحة قصيرة قبل الإفطار.
حين ينبعث أذان المغرب من مكبرات المساجد، يكون الجميع قد التحقوا بمنازلهم وتصبح الشوارع شبه خالية وتكون مائدة الإفطار جاهزة، ومما يميزها أنها تكون متنوِّعة..
ولقِصر المدة بين المغرب والعشاء يضطر السوريون لإنهاء الإفطار سريعا وتبدأ الحياة تريجيا تعود للشوارع.
يهرع بعض الناس إلى المساجد لحجْز مكانهم في الصف الأول، وآخرون إلى الأسواق لفتح محلاتهم، قبل إغلاقها عند بدء الصلاة، ولا عذر لأحد في التغيب عن داعي الفلاح، يستوي في ذلك الرجال والنساء والصبيان.
تُقام صلاة التراويح على سنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثلاثا وعشرين ركعة ولا تختم كل المساجد القرآن، كما هو معهود عندي، وأنا القادم من المنكب البرزخي.
فبعض الأئمة يكتفي بقراءة بعض الآيات كل ليلة، ولكن بإتقانٍ تامّ وذلك تخفيفا على المرضى والمسنين ومراعاة لظروفهم، ولكي لا يفوتهم أجر ومثوبة القيام،
في العشر الأواخر يعتكف من تسمح لهم ظروفهم بالاعتكاف بينما تحضر معظم الأسر إلى المساجد في تلك الليالي ويبقون فيها حتى الفجر، ليشهدوا التهجد.
بعد صلاة التراويح ينزل الناس إلى الشوارع؛ بين من يفضل ممارسة الرياضة ومن يتسمر في المقاهي ليلفه دخان الشيشة ويستمتع بالسوالف، ومن يتبضعون في الأسواق، وآخرون لصلة الأرحام....
