محمد افو
في تاريخ الفكر السياسي، ظل السؤال الجوهري يدور حول طبيعة العلاقة بين "الأخلاق" و"السلطة". فبينما ذهب ماكيافيلي إلى الفصل الحاد بينهما بدعوى "الضرورة"، كان الفارابي يرى أن المدينة الفاضلة لا تقوم إلا بـ "رئيسٍ" تجتمع فيه الحكمة والفضيلة.
وضمن هذا السياق الفلسفي، تبرز تجربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كنموذج حديث لإعادة الاعتبار للمرجعية الأخلاقية والدينية في التعاطي مع الشأن العام.
لقد ظلت أخلقة الخطاب السياسي. هي الأولوية الثابتة والمرتكز الصلب في فلسفة الرئيس، فعلى مدى سنوات حكمه ، ظل لسان الرئيس عصياً على الإساءة، ومترفعاً عن لغة التراشق التي سادت دهوراً. مطبقا بذلك مقولة سقراط: "تكلم حتى أراك"؛ فكان كلامه مرآة لسكينة داخلية وتقديرا عميقا لكرامة الخصم قبل الصديق. لم يكن هذا الترفع مجرد "تكتيك" سياسي، بل هو نهج تأصيلي يعيد للدولة هيبتها ككيان حي ومسؤول ، مبتعدا بذلك عن لغة التشنج التي تهدم جسور الثقة بين الحاكم والمحكوم.
لقد إحدث الرئيس غزواني قطيعة مع "سياسة العقوبة الوظيفية"، تلك الآفة التي طالما استُخدمت كإزميل لنحت الولاءات القسرية. وبدلاً من سياسة "الإقصاء"، انتهج سياسة "الإنصاف بأثر رجعي"، معيداً لضحايا التجاوزات السابقة حقوقهم المعنوية والمادية.
لم ينتقم الرئيس من مسيء تجاوز حدود النقد العامة إلى حيز الإساءة الشخصية ، بل أصلح عثرات الماضي، مبرهناً على أن الدولة كيانٌ أخلاقي يسمو فوق الأهواء الفردية والنزوات الشخصية.
إن عبقرية هذا النهج تكمن في كونه لم يكتفِ بتسويق وإبراز أخلاقه كسلوك شخصي، بل أرادها "عدوى حميدة" تسري في أوصال الإدارة؛ فلم يُعهد عنه يوماً توجيه معاونيه للتنكيل بمخالف، أو استغلال مقدرات الدولة لتطويق معارض.
لقد رسخ الرئيس غزواني مفهوم "تخليق الحياة العامة"، وظلل السياسة بقيم التعايش و بمرجعية الأخلاق الحميدة والقيم الدينية للمجتمع الموريتاتي المسلم المسالم.
ينطلق الرئيس في هذا المسار من مرجعية دينية وطنية ترى في "المخالف" شريكاً في بناء الوطن، لا عدواً يجب استئصاله. إنه يدرك أن "قوة الدولة في أخلاق رجالها" كما يقول إدموند بيرك. فمن خلال تحييد أجهزة الدولة عن الخصومات الضيقة، استطاع أن يبني "نهجاً تفاعلياً" هادئاً، امتص الاحتقان السياسي وجعل من المعارضة والموالاة وجهين لعملة وطنية واحدة، غايتها الإنسان ووسيلتها الاحترام المتبادل.
خاتمة
إن "فلسفة غزواني" في التعامل مع المخالفين تمثل في نظري ، أقصى درجات القوة النفسية؛ قوةٌ ترفض الانحدار إلى ساحات السجال الهابط، وتختار بدلاً من ذلك الصعود بالدولة إلى آفاق "الأنسنة" و"الأخلاق". لقد أثبت الرئيس أن بإمكان القائد أن يمارس السلطة دون أن يفقد إنسانيته، وأن يدير الاختلاف دون أن يفسد للود قضية وأن يعيد لكيان الدولة قيم المسؤولية والترفع.
لا أقول هذا تمجيدا لشخص الرئيس وإنما توجيها لموالاته وأنصاره بانتهاج نهجه واقتفاء أثره في عدم الاكتراث بالمسيء وحماية منظور ومسموع الرأي العام من إشاعة الفحش في القول والخصومة.
ولهم أقول "سيروا سير نبلائكم"
