قال مرة لأحد أصدقائه: "من لم يذق طعم العبودية لن يشعر أبدا بالمرارة التي شعرت بها".
مقولة للرمز الذي كرس حياته للنضال والدفاع عن حقوق لحراطين والفئات المهمشة والمستضعفة .
نال لقب "أيقونة النضال الحقوقي " تقديرا لدوره في الحركة النضالية ضد العبودية بموريتانيا.
"العبودية" صفة مستفزة"
بوبكر ولدمسعود الذي رحل عن عالمنا يوم 12 مارس الجاري كان أيقونة النضال ضد الظلم بشتى أنواعه خاصة العبودية .
عاش مرارة الظلم والشعور بالعبودية، حيث تعرض أهله لتلك الظاهرة المقيتة مما ولد لديه اسستفزازا كبيرا منها،وظل منذ الصغر يكرهها بفعل الصور التي عاشها مع أمه وخالاته على وجه الخصوص.
بكاؤه عند الحرمان من دخول المدرسة كان كافيا لاستعطاف المدير لقبوله بها دون علم أهله أو مواليه.. رغم الحرج الكبير آنذاك في دخول أمثاله من الأرقاء للمدارس.
كان صبورا ومؤمنا بإرادته كإنسان في تغيير واقعه والخروج من عنق زجاجة الاسترقاق بواسطة الترقي في مدارج المعرفة .
حصل على منحة للدراسة في الخارج، فبدأ ببامكوا وانتهى بالدراسة في الاتحاد السوفيتي .. تخرج مهندسا معماريا يمايز بين أرقى تصاميم المدن والتشابك المعقد بين الخطوط والرسوم والمنحنيات والأشكال الهندسية في ذلك التخصص الصعب، تماما كصعوبة تخلى مجتمعه في تلك الفترة عن ممارسة ظاهرة العبودية المقيتة .
مسار مهني حافل...
عاد من بلاد الثلج والضباب (الاتحاد السوفيتي) في السبعينات ليعمل مهندسا في شركة "سوكوجيم " المعنية بالإنشاءات العقارية بالبلد، الذي كان وقتها يضع اللبنات لأولى في صرح المنشآت العمومية، وكانت له مشاركة هامة في تصميم بعض المؤسسات الوطنية الهامة، في إشارة إلى أن العلم هو الطريق للبناء ولا علاقة بين الاسترقاق سابقا ووجود الكفاءة مطلقا.
أمضى سنوات يخدم وطنه في هدوء وتفان، وترقى في مجاله ليصبح مستشار لوزير الإسكان لعدة سنوات، خدم من خلالها بلده من خلال الأفكار والتصاميم والخرائط والإنشاءات الهندسية، التي قامت عليها مرافق عمومية توجد اليوم في خدمة المواطن، رغم مرور عشرات السنوات على عمله ضمن فريق الوزارة فيها .
المنعرج الحاسم ...
واصل عمله، وكانت قضية الكفاح ضد العبودية شغله الشاغل في بلد حديث عهد بالتمدن، ومازال العبودية فيه أمرا عاديا، كما أن وجود فئات كثيرة هشة ومستضعفة دعاه لتوسيع دائرة نضاله لتشمل رفع الظلم عن كل الفئات المهمشة والمستضعفة.
لم يكن عنصريا ولا فئويا ولاشرائحيا ـ كما يزعم البعض ـ بل إن كل شهادات من عملوا معه تؤكد أنه كان يكفر بالظلم ويكره العبودية ويستفزه ذكرها حتى وهو في مقتبل العمر، وقد شب على ذلك وشاب عليه .
في منتصف التسيعنيات من القرن الماضي، شارك في مؤتمر لحقوق الإنسان بجنيف، وعاد منه ليؤسس منظمة " نجدة العبيد" التي تفرغ لها منذ ذلك الوقت، ورغم أن اسم المنظمة يحمل صفة الدفاع عن العبيد فإن دائرة عملها كانت أوسع من ذلك بكثير.
الضريبة الكبيرة ...
تعرض بوبكر ولد مسعود لشتى المضايقات بما فيها الاعتقال والسجن ثمنا لمواقفه النضالية الحقوقية، ورغم ذلك ظل عاضا على مبادئه بالنواجذ، متخذا من الدفاع عن كل المظلومين والمهمشين مهمة نبيلة يحملها على عاقه ويدفع مقابلها كل غال ونفيس.
يقول بعض من عملوا معه إنه كان بإمكانه أن يعيش في إحدى أفضل الدول ويحصل على الامتيازات وأفضل الرواتب بحسب كفاءاته وأخلاقه ووظيفته، ولكنه فضل البقاء في الوطن والدفاع عن القضية ومساندة كل المظلومين، مما أكسبه لقب أيقونة النضال الحقوقي بالبلاد .
تقدير وطني وخارجي مرموق
وشح أيقونة النضال من طرف الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني بوسام الاستحقاق الوطني تقديرا لجهوده في الدفاع عن المظلومين، كما حصل على أوسمة من فرنسا وأمريكا.. أكدت كلها أنه بطل حقوقي وطني يتحلى بالمسؤولية في نضاله، وبعيد عن ركوب الأمواج والبحث عن مآرب شخصية رغم تضحيته بالكثير من مصالحه في سبيل نضاله .
كما أن دفاع منظمته عن المظلومين والمهمشين من كل الشرائح واعتبارها أن النضال الحقوقي لا لون له ولافئة ولاجهة، بل يجب أن يكون لصالح الجميع جعلها ذات مصداقية كبيرة وطنيا ودوليا وهي نتيجة تعود لصدق الجل ونبله ووطنيته بحسب شهادات بعض من عملوا معه.
يقول المرحوم :"العبودية لن تتم محاربتها بموريتانيا إلا إذا اقتنع الجميع بذلك، وساهموا فيه، فهي ظاهرة اجتماعية لايمكن التصدي لها بالقوانين وحدها بل يجب تغيير العقليات بخصوصها أولا" .
من صفاته الشخصية بحسب شهاد ة العلامة ولد الددو البرور وحب القرآن ونصرة كل المظلومين وبذل نفسه وماله في سبيل الحق وكره الظلم وحبه لشعبه ووطنه .
كما تؤكد شهادات أخرى أنه رجل صريح وصادق، لايعرف اللف والدوران، وكان كثير الصلاة وكريما مع الجميع، ورفيقا وحنونا بكل ضحايا الظلم والاضطهاد، ومقدام في مواقف النضال مع الصبر على المرض والشدائد في المعتقلات ومخافر الشرطة .
المواقف الخالدة .. لاتموت !
رحل أيقونة النضال الخالدة .. بوبكر ولد مسعود ولكن كفكفته لدموع المظلومين والمستضعفين وبسط أياديه البيضاء لهم، وحبه لوطنه ونصرته لجميع الفئات فيه، وتضحيته بعمره ومواقفه من أجلهم باقية لن تموت ... رحمه الله وسقى قبره شآبيب الرحمات، وجعله روضة من رياض الجنة .
