قراءة نقدية في فوضى المسابقات وتعدد الجهات المُشغِّلة

 

 د. سيدي محمد محمد المصطفى

 

تُعد مسألة الولوج إلى الوظيفة العمومية من القضايا الجوهرية التي تمس صميم العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، خصوصًا في بلد يعاني من بطالة مقنّعة تمس فئة واسعة من حاملي الشهادات الجامعية الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف، إلى جانب طلاب الجامعة وحملة شهادة الثانوية العامة الذين يتجاوز عددهم السنوي خمسة عشرة ألف؛ وإذا كانت التشريعات الوطنية قد أولت هذا الموضوع عناية خاصة، فإن الممارسة العملية تكشف عن فجوة واسعة بين النص والواقع، الأمر الذي يستدعي وقفة تأملية جادة في ضوء ما استجد من نصوص تنظيمية.
في هذا الموضوع، سنحاول مقاربة الإشكالية من ناحية تحليلية نقدية، مستندا إلى أحدث النصوص الصادرة في هذا المجال، وعلى رأسها التعميم رقم 006 الصادر بتاريخ 20 يوليو 2025 المتعلق بترسيخ مبادئ الشفافية، والتعميم رقم 544 الصادر بتاريخ 27 نوفمبر 2025 الذي شدد على ضرورة احترام المساطر القانونية في تسيير العقود العمومية، والمرسوم رقم 045 الصادر عن وزارة المالية بتاريخ 27 فبراير 2026 المتعلق بنظام المسابقات الإدارية والامتحانات المهنية، والمقرر رقم 0389 الصادر بتاريخ 23 مارس 2026 المتعلق بتنظيم الجمارك لمسابقاتها.

أولاً: الإطار القانوني المنظّم للوظيفة العمومية: بين النص والتطبيق
لقد حرص المشرع الموريتاني، في السنوات الأخيرة، على تحديث الإطار القانوني المنظم للوظيفة العمومية والمتمثل في القانون رقم 09 الصادر بتاريخ 18 يناير 1993 المتضمن النظام الأساسي للموظفين والوكلاء العقدويين للدولة، وتعديلاته اللاحقة، انسجامًا مع التوجهات الوطنية الرامية إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية؛ وفي هذا الصدد صدرت عدة مراسيم وتعميمات كان آخرها التعميم رقم 006 الصادر بتاريخ 20 يوليو 2025، الذي حمل عنوان "ترسيخ الشفافية"، حيث أكد على ضرورة أن تخضع جميع إجراءات التوظيف لمبادئ العلنية والنزاهة وتكافؤ الفرص؛ غير أن ما نرصده على أرض الواقع يُظهر أن هذا التعميم، رغم قوته القانونية، يظل حبرًا على ورق في غياب آليات رقابية فعالة تضمن تنفيذه.

أما التعميم رقم 544 الصادر بتاريخ 27 نوفمبر 2025، فقد جاء ليشدد على ضرورة احترام المساطر القانونية في تسيير العقود العمومية، مؤكدًا على أن "أي تسيير للعقود يجب أن يتم وفق النصوص القانونية السارية"، وطالب الوزارة المعنية جميع القطاعات بالقيام بتسوية العقود التابعة لها؛ هذا النص، وإن كان يتناول العقود العمومية بشكل أساسي، فإن روحه تمتد لتشمل عقود العمل والتوظيف، باعتبارها عقودًا إدارية بامتياز تخضع لنفس مبادئ المشروعية والشفافية.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائمًا: كيف يمكن التوفيق بين هذه النصوص وبين واقع تعدد الجهات التي تعلن وتكتتب خارج أي إطار موحد؟ فالأجهزة العسكرية (الجيش والدرك) تعلن وتكتتب، والأجهزة الأمنية (الشرطة والحرس) تفعل الشيء نفسه، واللجنة الوطنية للمسابقات، والجمارك، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والمجلس الأعلى للتعليم، وسلطة الوطنية لمكافحة الفساد، والشركات الوطنية الكبرى (اسنيم، تازيازت، MCM)، وكافة مؤسسات الدولة، كلها تعلن وتكتتب وتختار وتتعاقد؛ هذا التعدد، في غياب تنسيق أفقي، يُحدث فوضى تنظيمية تتنافى مع أبسط مبادئ الإدارة القانونية السليمة.

ثانيًا: وحدة التشريع وتعدد الممارسات
صدر المرسوم رقم 045 عن وزارة المالية بتاريخ 27 فبراير 2026، ليكون الناظم العام لنظام المسابقات الإدارية والامتحانات المهنية؛ هذا النص، الذي يمثل نقلة نوعية في تنظيم الوظيفة العمومية، كان يفترض أن يكون الإطار المرجعي الوحيد الذي تخضع له جميع عمليات التوظيف في القطاع العام؛ غير أن ما حدث بعد ذلك أثار الكثير من علامات الاستفهام.

فقد صدر، بعد أقل من شهر، المقرر رقم 0389 بتاريخ 23 مارس 2026، والذي يقضي بتنظيم مسابقات الجمارك بشكل مستقل هذا المقرر، رغم أنه قد يستند إلى خصوصية مهام إدارة الجمارك، فإنه يطرح إشكالية قانونية جوهرية: هل يمكن لقطاع وزاري أن ينظم مسابقاته خارج إطار المرسوم 045 الذي يُعد نصًا تنظيميًا أعلى درجة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب بناءً على خصوصية المهام، فلماذا لا تُمنح نفس الخصوصية لقطاعات أخرى؟ أين تقف اللجنة الوطنية للمسابقات من هذا التشرذم التنظيمي؟

من منظور القانون المقارن، نجد أن معظم الدول التي نجحت في محاربة الفساد في التوظيف اعتمدت مبدأ "مركزية الإطار ولامركزية التنفيذ"، أي أن الإطار القانوني الموحد يُسن من جهة مركزية (كوزارة الوظيفة العمومية أو هيئة وطنية للمسابقات)، بينما تُترك تفاصيل التنفيذ للقطاعات مع رقابة مشددة؛ أما ما يحدث في بلادنا فهو "لامركزية فوضوية" تسمح لكل جهة بأن تكون لنفسها نصوصها وإجراءاتها، مما يخلق بيئة خصبة للاجتهادات الفردية والتجاوزات.

ثالثًا: استثمار الوظائف وتضارب المصالح: 
إحدى أخطر القضايا التي أثارها واقع المسابقات الأخيرة، وعلى رأسها إعلانات المجلس الأعلى للتعليم وسلطة مكافحة الفساد، هي ظاهرة "استثمار الوظائف" وغياب الضوابط التي تمنع الموظفين الحاليين من التقدم لهذه المسابقات؛ ففي هذه الإعلانات، كانت المسابقات مفتوحة للجميع دون أي تمييز بين عاطل عن العمل وموظف سامٍ يتقاضى راتبًا مرتفعًا، ودون اشتراط الاستقالة من الوظيفة السابقة.
هذه الممارسة تتعارض مع عدة مبادئ قانونية أساسية:
أولاً: مبدأ المساواة في الولوج إلى الوظائف العمومية، الذي يقتضي أن تُمنح الأولوية للفئات الأكثر حاجة، وخصوصًا العاطلين عن العمل الذين يمثلون الفئة المستهدفة أصلاً من سياسات التشغيل.

ثانيًا: مبدأ حظر الجمع بين عدة وظائف عمومية، الذي تنص عليه معظم قوانين الوظيفة العمومية، إلا في حالات استثنائية ومراقبة.

ثالثًا: مبدأ تضارب المصالح، وهو مبدأ قانوني راسخ يمنع الموظف العام من شغل منصب قد يتعارض مع مهامه الأصلية؛ فكيف يمكن لموظف في وزارة التعليم أن يشغل منصبًا في المجلس الأعلى للتعليم؟ وكيف لموظف في جهة حكومية أن يعمل في سلطة مكافحة الفساد التي قد تكون مطالبة يومًا بمحاسبة جهته الأصلية؟

تُعتبر ظاهرة "الموظف المحترف للمسابقات" إحدى الآفات التي تضرب منظومة التشغيل في كثير من الدول النامية؛ هؤلاء الموظفون، الذين يتقنون فن اجتياز المسابقات، يجمعون بين عدة رواتب، محولين الوظيفة العمومية من وسيلة للعيش الكريم إلى مورد إضافي يُضاف إلى مواردهم الأساسية؛ هذا السلوك، وإن كان قد لا يُشكل مخالفة صريحة في غياب نصوص تمنعه، إلا أنه يتنافى مع روح التشريع ومقاصده.

رابعًا: تكريس النفوذ بشبكات التوظيف
ما يجعل الوضع أكثر خطورة هو أن مدراء المؤسسات لم يكتفوا بتوظيف أقاربهم ومعارفهم المباشرين، بل طوروا "خبرة" في التقرب إلى النافذين عبر توظيف أبناء كبار المسؤولين وأقاربهم؛ وهذه الأسلوب حقق لهم هدفين هما:
تكريس بقائهم في مناصبهم عبر شبكات ولاء متينة تحميهم من أي محاسبة أو تقييم أداء حقيقي.
كسب رضا السلطة الفعلية خارج المؤسسة، مما يجعل أي مساءلة مستحيلة.
وهكذا تتحول المؤسسة إلى سوق للمزايدات السياسية والاجتماعية، وتصبح الكفاءة آخر ما يبحث عنه المدير؛ فالأب المؤثر لا يحتاج إلى أن يطلب وظيفة لابنه بشكل مباشر؛ فالمدير الذكي يبادر إلى "خدمته" قبل أن يُطلب منه ذلك؛ هذه الممارسة تحول الولوج إلى الوظيفة من حق عام إلى سلعة توزع وفق هرميات النفوذ، وتجعل من المواطن العادي ضحية في معركة غير متكافئة.

رخامسًا: إشكالية سلطة مكافحة الفساد: حين يتناقض المقرر مع المبادئ
يُثير ما يُثار هذه الأيام حول اكتتاب سلطة مكافحة الفساد الكثير من التساؤلات القانونية والأخلاقية؛ فسلطة مكافحة الفساد، وهي الجهة المخولة قانونًا بمحاربة الفساد بجميع أشكاله، ينبغي أن تكون قدوة في النزاهة والشفافية؛ فكيف يمكن لهذه السلطة أن تعلن عن اكتتاب يثير اللغط والجدل حول شفافيته؟ وألا يشكل ذلك تناقضًا صارخًا مع مهامها الأساسية؟

من منظور القانون، تخضع الهيئات المستقلة لمكافحة الفساد لأعلى درجات الشفافية في إجراءاتها الداخلية، بما في ذلك إجراءات التوظيف؛ ففي تجارب دولية عديدة، تخضع هذه الهيئات لرقابة برلمانية وإعلامية مشددة، وتُجرى مسابقاتها تحت إشراف هيئات محايدة لضمان نزاهتها؛ أما أن تعلن سلطة مكافحة الفساد عن اكتتاب يكتنفه الغموض، فهذا يُضعف مصداقيتها ويُفقدها ثقة المواطنين التي هي سلاحها الأهم في معركتها ضد الفساد.

سادسًا: نحو إصلاح قانوني جذري: توصيات عملية
بناءً على هذا التحليل، وفي ضوء النصوص القانونية السارية، يمكن صياغة التوصيات التالية:
أولاً: تفعيل دور اللجنة الوطنية للمسابقات كجهة مركزية تشرف على جميع مسابقات التوظيف في القطاع العام، مع إخضاع جميع الجهات -بما فيها الجمارك والأجهزة الأمنية - لإشرافها، مع إمكانية منحها استثناءات محددة ومراقبة لخصوصية بعض المهام.
ثانيًا: تعديل المرسوم 045 بإضافة فصل يحظر صراحة على الموظفين الحاليين التقدم لمسابقات التوظيف إلا بعد تقديم استقالة مسبقة ومصادق عليها، مع النص على عقوبات رادعة في حالة المخالفة.
ثالثًا: إصدار تعميم توضيحي يؤكد على أن مبدأ الشفافية الوارد في التعميم 006 يشمل جميع مراحل المسابقة، من الإعلان إلى النتائج النهائية، وأن أي مسابقة لا تستوفِ هذه الشروط تُعتبر باطلة.
رابعًا: تفعيل الرقمنة الكاملة لعملية المسابقات، تنفيذًا لروح التعميم 544 الذي يدعو إلى احترام المساطر، وذلك من خلال:
إنشاء منصة وطنية موحدة للمسابقات، تُستخدم من قبل جميع القطاعات دون استثناء.
ربط المنصة بقاعدة بيانات مركزية للموظفين، لتمنع آليًا تسجيل أي موظف حالي.
أتمتة التصحيح والفرز حيثما أمكن، وتعميم التصحيح الإلكتروني.
توفير واجهة واحدة للمواطن للتقدم لجميع المسابقات.
خامسًا: إلزام سلطة مكافحة الفساد والمجلس الأعلى للتعليم وغيرهما من الهيئات المستقلة بإخضاع مسابقاتها لإشراف اللجنة الوطنية للمسابقات، تعزيزًا للشفافية.
سادسًا: تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة، بحيث يُعتبر توظيف أبناء وأقارب النافذين دون وجه حق جريمة فساد يعاقب عليها القانون، وذلك استنادًا إلى مبدأ المسؤولية التأديبية في القانون الإداري.

خاتمة
إن ما يحدث في مجال الولوج إلى الوظيفة العمومية في بلادنا ليس مجرد اختلالات إجرائية قابلة للتعديل، بل هو أزمة هيكلية تعكس فجوة عميقة بين النص القانوني والتطبيق العملي؛ فبينما تسعى الدولة، من خلال التعميمين 006 و544 والمرسوم 045، إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام المساطر، نجد أن الممارسة الفعلية تسير في اتجاه مضاد: تعدد الجهات، ازدواجية المعايير، غياب الرقابة، وظهور إعلانات مثيرة للجدل من هيئات يفترض أن تكون قدوة في النزاهة.

عموما تظل بلادنا بحاجة إلى ثورة قانونية حقيقية في مجال الوظيفة العمومية، تجعل من النص أداة فعالة وليس مجرد ورقة شكلية؛ وهذه الثورة تبدأ من الاعتراف بأن الإشكالية ليست في القوانين وحدها، بل في الإرادة السياسية لتطبيقها، وفي قدرة المجتمع المدني وهيئات الرقابة على ممارسة دورها في المحاسبة والمساءلة.
الفرق بين مواطن وآخر اليوم ليس فرقًا في المؤهلات أو الكفاءات، بل فرقًا في "من يعرف من" و"من يشفع له من"؛ وعندما تعلن جهات رسمية - كالسلطة الوطنية لمكافحة الفساد أو المجلس الأعلى للتعليم - عن مسابقات تثير اللغط وتفتقر إلى الشفافية، فإنها تُرسخ مبدأ "استثمار الوظائف" وتحولها إلى سلعة يتاجر بها المترفون، بينما العاطلون يتفرجون.

هل آن الأوان لنقول "لا" لتعدد الجهات المنظمة، و"لا" لاستثمار الوظائف، و"لا" لجمع الرواتب، و"نعم" لوطنية واحدة في التشغيل مع رقمنة شاملة وشفافية كاملة؟ الإجابة تبقى رهينة بإرادة سياسية صادقة، ومجتمع مدني يقظ، وقضاء مستقل يعيد الاعتبار للقانون.