حوار: محمد ولد سيدناعمر
ضيفنا في هذه المقابلة إعلامي حاصل على دبلوم عالي في الصحافة عام 2012 من المعهد العالي للإعلام والاتصال في المغرب، عمل في صحف وإذاعات وقنوات موريتانية خصوصية ما بين 2012 و2019، يشغل ـ حالياـ منصب رئيس تحرير بإذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية، وتلفزيون ميدي 1 في المغرب.
ضيفنا باحث في الشؤون الأفريقية وهو كاتب في مجلات بكبريات مراكز الدراسات والأبحاث حول قضايا القارة.
سلط ضيفنا الضوء في هذه المقابلة على حظوظ مرشحة موريتانيا كمبا با في الفوز بمنصب الأمانة العامة للمنظمة الدولية للافرانكفونية وعلاقة موريتانيا بالمنظمة .
كما تحدث عن دلالة زيارة الدولة التي قام بها غزواني مؤخرا لفرنسا، والعلاقات بين البلدين، وأضاء على المشهد الإفريقي في دول الساحل، خاصة الوضع الأمني على الحدود المالية الموريتانية وعلاقات البلدين.
ضيفنا في هذه المقابلة الإعلامي وخبير الشؤون الإفريقية محفوظ ولد السالك .
نــصّ المـقـــابلة:
الجديد نيوز: أعلنت موريتانيا ترشيح الوزيرة السابقة الدكتورة كمبا با لمنصب الأمانة العامة للمنظمة الدولية للافرانكفونية كيف ترون هذه الخطوة ؟
شكرا جزيلا لكم على إجراء مقابلة معي وأتمنى لموقعكم "الجديد نيوز" التوفيق
ترشح موريتانيا لمنصب الأمانة العامة للمنظمة الدولية للفرانكفونية، أعتبره يندرج في إطار الترشيحات التي باتت البلاد تقوم بها خلال الأعوام الأخيرة لعضوية أو رئاسة المنظمات الإقليمية والدولية، وقد تكلل بعضها بالنجاح، وذلك مهم في تعزيز الحضور الإقليمي والدولي، وعدم القبول بالانعزالية، أو الهامشية على هذا الصعيد.
وبخصوص ترشيح كمبا با، فلا شك أن السيدة لها تجربة طويلة في المناصب الحكومية، أكسبتها إلى حد ما مستوى من العلاقات خصوصا في المحيط الإقليمي.
ولكن يقلل من حظوظها في الفوز بالمنصب، وجود مرشحتين أخريين على الصعيد الإفريقي، ومعروف أن إفريقيا يوجد بها أكثر من نصف الناطقين بالفرنسية على الصعيد العالمي، ونحو 30 دولة أو أكثر بقليل من بلدان القارة حاضرة فيها الفرنسية بمستويات متفاوتة.
والترشيحان اللذان سبقا موريتانيا، هما الرواندية لويز موشيكيوابو، وقد رشحتها بلادها لولاية ثالثة مدتها 4 سنوات، والكونغولية جوليانا أماتو لومومبا وهي وزيرة سابقة وابنة الزعيم الاستقلالي باتريس لومومبا.
ووجود هذين الترشيحين يقلل من حظوظ موريتانيا، ويمنح التنافس صراعا بخلفية متوترة، بالنظر إلى الأزمة القائمة بين البلدين على خلفية الحرب في الشرق الكونغولي.
الجديد نيوز: تضم هذه المنظمة 80 دولة ولها دور كبير في التعاون بين الدول الأعضاء في مجالات مختلفة.
كيف ترون دور موريتانيا فيها وما الذي تستفيده منها؟
تبقى موريتانيا إحدى دول شمال وغرب إفريقيا المنضوية تحت لواء هذه المنظمة، ولكن لا يبدو أن هناك حضورا لافتا لها، وذلك لأسباب بعضها يعود لوزن البلاد نفسها إقليميا ودوليا، وبعضها يعود إلى الصراع الأزلي بين العروبة والفرانكفونية داخل البلاد، فضلا عن قلة عدد السكان، فموريتانيا تعتبر الأقل ديمغرافية في محيطيها العربي والإفريقي الفرانكفونيَيْن.
أما بخصوص استفادة موريتانيا من المنظمة، فإن الأمر ينحصر بالأساس في الجوانب اللغوية والثقافية والتكوينية.
الجديد نيوز: في ظل الحديث عن تراجع اللغة الفرنسة بالعالم، وانحسار نفوذ فرنسا خاصة بدول الساحل.
كيف ترون واقع وأفاق عمل المنظمة على المديين المتوسط والبعيد؟
التراجع والتقدم أعتبره يرتبط ارتباطا وثيقا بمستوى الإنتاج الفكري والثقافي باللغة الفرنسية، وأيضا بالمستوى الاقتصادي لفرنسا أولا، ولباقي البلدان المنضوية تحت لواء هذه المنظمة ثانيا.
وعلى الصعيد الإفريقي، لا أتوقع على المدى المتوسط أن يكون هناك تراجع لحضور الفرنسية في القارة، فحتى الدول التي دخلت في صراع مع فرنسا وطردت قواتها العسكرية، وتبنت مسار "إعادة تأسيس" بعيدا عن "الهيمنة" الفرنسية بما في ذلك على الصعيد اللغوي، لم تستطع بعد بلورة نهج يقطع مع اللغة الفرنسية، حتى وإن تبنت ذلك على مستوى دساتيرها، فما تزال الفرنسية لغة إدارة وتعليم وتخاطب فيها.
وهذا يؤشر على أنه من الصعب أن تنحسر الفرنسية بمستوى لافت في الدول الإفريقية الناطقة بها على المدى القريب، خصوصا في مجالات التعليم والتخاطب والإدارة، قد يكون الإنتاج بها ضعيفا على صعيد التأليف مثلا، ولكن ذلك أيضا يرتبط بمستوى الإنتاج الثقافي والعلمي العام في هذه البلدان.
الجديد نيوز: ترأست موريتانيا الاتحاد الإفريقي في مأمورية ماضية، وبذلت جهودا كبيرة في مجال الديبلوماسية الإفريقية كيف تقيمون تلك المأمورية؟
خلال رئاستها للاتحاد الإفريقي في 2024-2025، حاولت موريتانيا أن تكون لها لمسة خاصة، من خلال مساعيها إلى حلحلة الصراعات والحروب خصوصا في السودان، وليبيا، والكونغو الديمقراطية، ولكنها لم تنجح في إنهاء أي منها.
ولا شك أن جانبا من ذلك يعود إلى قصر المدة فعام واحد لا يكفي لإنهاء أزمات معقدة قائمة منذ سنوات، ويعود جانب منه أيضا إلى ضعف تأثير موريتانيا في هذه الصراعات والأزمات لبعد بعضها جغرافيا عنها، وعدم اهتمامها به أصلا.
لكن رئاسة موريتانيا للاتحاد الإفريقي اهتمت أيضا بجوانب أخرى منها تعزيز حضور الاتحاد في التظاهرات الدولية والعالمية، وما يتيحه ذلك أحيانا من شراكات وتعاون، وأيضا اهتمت موريتانيا بتسليط الضوء على أولويات التعليم في القارة، وإيلاء الشباب مكانة باعتبار إفريقيا قارة شابة، فضلا عن محاربة الهجرة، والتركيز على التنمية والسيادة الغذائية، دون أن تكون هناك نتائج ملموسة محققة.
الجديد نيوز: قام الرئيس محمد ولد الغزواني بزيارة دولة لفرنسا مؤخرا والعلاقات بين البلدين وصلت مرحلة الشراكة.
ماهو تقييمكم لنتائج تلك الزيارة والشراكة ؟
هذه الزيارة كانت الأولى من نوعها منذ عقود بالنسبة لموريتانيا، وقد توجت بتوقيع عشرات الاتفاقيات في مجالات مختلفة مع شركات ومؤسسات فرنسية متعددة، وهذا مهم جدا.
ولكن الزيارة أيضا عكست من جانب آخر، ثبات موريتانيا على علاقتها مع فرنسا، دون أن تؤثر فيها بعض المواقف الإفريقية التي تبنت سياسة معادية لباريس دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا...
وأرى أن الشراكة بالنسبة لموريتانيا سواء مع فرنسا أو غيرها من الأطراف الأخرى العديدة المتنافسة على إفريقيا، يجب أن تكون قاعدتها الأساسية الربح المشترك، والعدالة في الاستفادة بحيث لا يكون هناك غابن ولا مغبون، مع احترام سيادة القرارات، وعدم القبول بالارتهان لشريك واحد، فتعدد الشراكات يتيح استفادة أكبر، وانفتاحا أوسع، وتملكا أقوى لسيادة القرار.
الجديد نيوز: منطقة الساحل تعتبر الخاصرة الرخوة للقارة حاليا.ماهي برأيكم سبل القضاء على المشاكل المستفحلة فيها؟
مشاكل منطقة الساحل عديدة ومتداخلة، وذات صبغة تراكمية يستحيل تقديم وصفة جاهزة للقضاء عليها.
ولكن بشكل عام يبرز في مقدمة هذه المشاكل والأزمات عدم الاستقرار الأمني، وهذا يلقي بتداعيات سلبية على مناحي أخرى مختلفة، بينها الاقتصاد، والتنمية، والتعليم... كما أنه يكون أيضا مسوغا للعسكريين للاستيلاء على السلطة بالقوة، وتقويض المسار "الديمقراطي" ولو في بعده الانتخابي على الأقل.
وأتصور أن إحلال السلام والأمن، لا بد فيه من انتهاج مقاربة أشمل لا تقتصر فقط على القوة، فالجانب العسكري جرب لأكثر من عقد في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد... ولم يمكن من القضاء على الجماعات المسلحة، واستعانت هذه البلدان بقوات أجنبية دون جدوى.
لا بد في نظري من توسيع دائرة الحلول لتشمل إلى جانب البعد العسكري، البعد السلمي من خلال الحوار، والبعد التنموي أيضا من خلال تعزيز التنمية المحلية، والبعد التعليمي، والعدالة والمساواة في ذلك، إذ أن البيئة الهشة تنمويا أو تعليميا، ووجود مظالم هنا أو هناك، كثيرا ما تكون بؤرة للتطرف، أو مؤهلة لأن تكون حاضنة له.
وبالتالي من المهم العمل بشكل متواز على مختلف هذه الجوانب، دون إغفال العمل أيضا على الصعيد الديمقراطي وبناء المؤسسات...
الجديد نيوز: دولة مالي جارة لموريتانيا وتشترك معها في حدود برية طويلة، وهذه الدولة تعرف عدم استقرار سياسي واضطرابات.
كيف ترون تعامل السلطات الموريتانية مع الواقع الأمني بتلك الدولة ؟
موريتانيا أكدت في عديد المناسبات وقوفها إلى جانب مالي في محنتها التي تقترب الآن من عقد ونصف، وأعلنت التضامن معها، واستعدادها لتقديم ما يلزم من أجل عودة الأمن والاستقرار إليها، لأن ما يقع فيها يؤثر على موريتانيا بشكل مباشر أو غير مباشر.
ولا شك أن البعد التضامني ثابت في سياسة موريتانيا تجاه مالي، منذ بدء مسلسل تعرضها للهجمات المسلحة عام 2012، حيث يؤوي الشرق الموريتاني عشرات آلاف اللاجئين الماليين منذ أزيد من 10 سنوات.
لكن موريتانيا الشعبية منقسمة إزاء ما يجري في مالي، بين داعم للحكومة المركزية في باماكو، ويعتبر أن ما تتعرض له البلاد انتهاكا للأمن والاستقرار والسيادة، وبين داعم للحركات الأزوادية، لأسباب مختلفة، يتداخل فيها البعد الاجتماعي مع الهوياتي والثقافي... وهذا لا تستسيغه أحيانا بعض الدوائر القريبة من الحكومة المالية، وكذا بعض أنصارها، كما أن التداخل الحدودي وعدم الترسيم يتسبب أحيانا في وقوع بعض المشاكل الجزئية، وموريتانيا تبدي تفهما كبيرا لعدم الاستقرار الأمني فيها، رغم ما تعرض له مواطنوها من قتل في كثير من المناسبات.
ومع ذلك تبقى علاقات البلدين جيدة، ولا ينبغي أن تكون إلا كذلك، فما جمعها في الماضي، ويجمعهما في الحاضر، يبعث على أنهما يجب أن ينظرا إلى المستقبل برؤية مشتركة، تتجاوز التباين في بعض المواقف.
