يحسم الناخبون الإسرائيليون في أكتوبر (تشرين الأول) مواقفهم بشأن ملفات رئيسية مثيرة للجدل، لعلّ أبرزها التحقيق في الإخفاقات التي سمحت بوقوع هجوم حماس عام 2023، والتجنيد الإجباري للمتدينين والاقتصاد.
ورصد تقرير لوكالة "فرانس برس"، أبرز الملفات التي تشكّل محور الحملة الانتخابية للمرشحين قبل الانتخابات البرلمانية المقرّرة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
هجوم 7 أكتوبر
طالب العديد من الإسرائيليين بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلّة للنظر في أسباب الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عندما شنّت حركة حماس هجوما غير مسبوق من غزة على جنوب إسرائيل.
وتسبّب الهجوم، وهو الأكثر حصدا للضحايا في تاريخ إسرائيل، بصدمة وطنية عميقة لا تزال تداعياتها ظاهرة على الحياة السياسية والمجتمع والوعي الجماعي في البلاد.
وتقول أحزاب المعارضة إنها ستجعل من تشكيل هذه اللجنة أولويتها القصوى حال وصولها الى السلطة، مشيرة الى أن إسرائيل اعتمدت من قَبل لجان تحقيق مماثلة عقب أزمات وطنية سابقة.
لكن حكومة رئيس الوزراء، بنيامين نتانياهو، ترفض هذا المقترح، وتحمّل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاق في منع الهجوم.
واقترحت بدلا من لجنة وطنية مستقلّة، تشكيل لجنة تحقيق مشتركة يعيّن السياسيون أعضاءها.
وكتب زعيم المعارضة، يائير لابيد، على منصة "إكس" أن الهدف من اللجنة المقترحة "تبرئة (المسؤولين) ومنع إجراء تحقيق حقيقي في أكبر كارثة تعرّض لها الشعب اليهودي منذ المحرقة".
استراتيجية الأمن المستقبلية
على مدى عقود، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: قوة الاستخبارات، والردع، وخوض حروب قصيرة.
لكن ذلك تغيّر بعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ودخلت الحكومة في حملات عسكرية طويلة الأمد، فهي لا تزال تحتلّ أجزاء واسعة من قطاع غزة بعد أكثر من سنتين على بدء الحرب التي تسبّب بها هجوم حماس، ورغم إعلان وقف لإطلاق النار يبقى هشّا.
وتحتلّ أجزاء واسعة من جنوب لبنان، بعد حربين متتاليتين خاضتهما فيه ضد حزب الله، على خلفية الحرب في قطاع غزة والحرب ضد إيران.
كما تقدّمت الى مناطق في سوريا بعد سقوط حكم بشار الأسد، وأعلنت نيتها البقاء فيها.
وتنفّذ عمليات عسكرية متتالية في الضفة الغربية المحتلة، بينما لا تزال في حرب مع إيران الى جانب الولايات المتحدة، رغم عدم مشاركتها في جولة الأعمال القتالية الأخيرة، وتشنّ ضربات ضد الحوثيين المدعومين من طهران في اليمن.
وأنشأ الجيش الإسرائيلي ما يسميه "مناطق أمنية" في لبنان وسوريا وغزة.
في الداخل الإسرائيلي، تثير هذه العقيدة الجديدة تساؤلات حول قدرة الدولة على الإبقاء على قواتها العسكرية في حالة تعبئة على جبهات عدّة في الوقت نفسه.
ومنذ العام 2023، تمّ استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط مرّات عدّة، غالبا بتكاليف عائلية ومهنية كبيرة، في حين يواصل القادة العسكريون التحذير من وجود نقص في عدد أفراد الجيش.
وقال الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، عوفر شيلاح، "انتقلنا من سياسة تقوم على الردع والازدهار في الفترات بين الحروب، إلى مجتمع يعيش في حالة حرب واستنفار دائمين".
وأثّرت هذه الحملات سلبا على سمعة إسرائيل، إذ تجاوز عدد القتلى في قطاع غزة 73 ألفا، بحسب وزارة الصحة في القطاع.
كما قُتل آلاف آخرون في لبنان.
وواجهت إسرائيل انتقادات متزايدة على الساحة الدولية، بما في ذلك من الولايات المتحدة، أقرب حلفائها، بسبب الكلفة البشرية والاقتصادية للحروب.
الدين والهوية والتجنيد الإجباري
في ظلّ ما يعانيه الجيش الإسرائيلي من نقص في عديده، تطوّر الجدل حول إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية ليصبح نقاشا أوسع بشأن هوية إسرائيل وطبيعة الدولة.
وتسعى الأحزاب المتشدّدة دينيا إلى الإبقاء على الإعفاءات التي تسمح لطلاب المعاهد الدينية بعدم أداء الخدمة العسكرية، وتحظى بذلك بدعم حزب الليكود بزعامة نتانياهو، إلى جانب شركائه في الائتلاف من أحزاب اليمين المتطرف.
في المقابل، تؤيد معظم أحزاب المعارضة وضع حدّ لهذه الإعفاءات، وأعلنت أنها سترفض المشاركة في أي حكومة تضمّ أحزابا حريدية.
ولا يقتصر الخلاف على قضية الخدمة العسكرية.
فقبل أيام قليلة من حلّ الكنيست، طرحت الحكومة المنتهية ولايتها إجراءات تُشجّع على الفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة، كما أقرت تشريعا يؤكد أهمية دراسة التوراة.
ويرى مؤيدو هذه السياسات أنها تعزز الطابع اليهودي لإسرائيل، أما منتقدوها، فيعتبرون أنها تدفع البلاد نحو تعزيز النفوذ الديني في الحياة العامة، ولا تعكس آراء غالبية السكان.
ارتفاع تكاليف المعيشة
رغم هيمنة القضايا الأمنية على النقاش السياسي، يشكّل الاقتصاد مصدر قلق رئيسيا لكثير من الناخبين.
ورغم النمو الاقتصادي القوي، إذ تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل أكثر من مرتين منذ العام 2000، مع بقاء معدل البطالة عند مستويات منخفضة تاريخيا، فإن الإسرائيليين ما زالوا يواجهون واحدة من أعلى تكاليف المعيشة في العالم.
ووفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تُعد إسرائيل من بين أغلى ثلاث دول من حيث تكلفة الاحتياجات الأساسية اليومية، لا سيما الغذاء والسكن.
في الوقت نفسه، لا يزال متوسط الأجور أقل من متوسط دول المنظمة، ما يزيد الضغوط المعيشية على الأسر.
ويرى خبراء الاقتصاد أن ارتفاع الأسعار يعود إلى مشكلات هيكلية مزمنة، من بينها نقص المساكن، والقيود التجارية، وضعف المنافسة في قطاعات رئيسية.
كما أضافت الحروب تحديا جديدا، فمنذ العام 2023، تضاعفت ميزانية الدفاع الإسرائيلية، ما زاد الضغوط على المالية العامة، وجعل تحقيق التوازن بين الإنفاق الأمني والاحتياجات الداخلية أحد أبرز القضايا التي تشغل الناخبين.
تراجع شعبية نتنياهو
وتشير معظم استطلاعات الرأي إلى تراجع فرص نتنياهو في الاحتفاظ بالسلطة، بعدما تضررت صورته الأمنية عقب هجوم حماس، رغم استمرار تأييد شريحة واسعة من الإسرائيليين للحروب التي خاضتها حكومته، وفق وكالة "رويترز".
ويبرز رئيس الأركان السابق، غادي آيزنكوت، كأحد أبرز المنافسين، إلى جانب رئيسي الوزراء السابقين، نفتالي بينيت، ويائير لابيد، إضافة إلى وزير الدفاع الأسبق، أفيغدور ليبرمان.
ورغم تقدم المعارضة في الاستطلاعات، فإن النظام السياسي الإسرائيلي القائم على التمثيل النسبي يجعل تشكيل الحكومات مرهونًا بالائتلافات، إذ لم يسبق لأي حزب أن حصد أغلبية مطلقة في الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا.
ويعتمد نتنياهو على تحالف يضم حزب الليكود وأحزاب اليمين الديني والقومي، بينما تتنافس عدة قوى معارضة، بينها أحزاب الوسط واليسار والأحزاب العربية، على تشكيل ائتلاف قادر على إبعاده عن الحكم.
