البيبليوغرافية فاطمة بوهراكة.. رحلة الشغف واللعنة في توثيق خريطة الشعر العربي ــ الجديد نيوز

 

حوار: محمد ولد سيدناعمر


​من إيقاع القصيدة المنسوجة بالبوح والوجد، إلى صرامة التوثيق ووعورة جمع الشتات، خطّت الشاعرة والبيبليوغرافية فاطمة بوهراكة مسيرة استثنائية جعلت منها حارسة أمينة لذاكرة الشعر العربي المعاصر. فبينما تهاب كبرى المؤسسات الثقافية خوض مغامرات الأرشفة الشاملة، اختارت أن تحمل هذا الإرث الثقيل بمفردها، محولةً شغفها بالكلمة إلى مشروع عملاق وثق لآلاف الشعراء والشاعرات عبر الوطن العربي.

في هذا الحوار الحصري مع موقع "الجديد نيوز"  تفتح قلبها لتكشف عن الكلفة النفسية والمادية لـ "لعنة التوثيق"، وتناقش واقع الصوت النسائي الشعري، ومعايير الغربلة وسط طفرة منصات التواصل، إضافة إلى أسرار علاقتها المعقدة بمدينة فاس وموقفها من الرقمي مقابل الورقي، وصولاً إلى سر غياب موسوعة خاصة ببلد المليون شاعر (موريتانيا)

حوار يأخذنا في رحلة عميقة بين كواليس الإبداع ومخاضات الذاكرة.

 

نصّ المقابلة: 

الجديد نيوز: بَدَأت مسيرتك الأدبية كشاعرة تكتب قصيدتها الخاصة، ثم انتقلتِ لتصبحي بيبليوغرافية توثقين إبداعات الآخرين. كيف وُلدت فكرة التحول من "صناعة النص" إلى "حراسة ذاكرة النصوص"؟

دخلت عالم الشعر بشكل فعلي وملوس بعد نشري لأحدى نصوصي الشعرية ( الليل الأخير ) عام 1991م بجريدة الميثاق الوطني التي تلتها بعد ذلك عدة نصوص في صحف ومجلات ورقية وطنية وعربية ، ثم المشاركة في مهرجانات محلية ودولية خلال سنوات 1994-2007م كشاعرة ، بعدها قررت أن أشتغل على التوثيق للشعرية العربية المعاصرة بعدما لاحظت ندرة البحث والتحقق من أشعار شعراء العالم العربي وهذه الفكرة كانت تراودني منذ كنت طالبة  في إحدى ثانويات مدينة فاس حيث لاحظت غياب أسماء شعرية مهمة في الكتب المدرسية وظهور أخرى قد تقل عنها جودة وكفاءة . لكن عملية تحقيق ذلك لم تكن ملائمة حتى عام 2007 حيث أطلقت مشروعي الأول في مجال التوثيق '' الموسوعة الكبرى للشعراء العرب 1956-2006م) والذي ضم ألفي شاعر وشاعرة من عالمنا العربي .

الجديد نيوز: ​يُمثل التوثيق البيبليوغرافي في العالم العربي مهمة شاقة تتولاها عادةً مؤسسات ومعاهد دولية، بينما خضت هذه المغامرة بمجهود فردي.

ما الكلفة الشخصية والإنسانية التي دفعتها لإنجاز أضخم الموسوعات الشعرية؟

لا يمكنني التحدث عن التضحيات الجسيمة صحيا ،و نفسيا ،وماديا التي تكبدتها جراء هذا الشغف الذي تحول مع مرور الوقت إلى لعنة لازمتني لأكثر من عشرين عاما بهدف حقيق هذا المشروع المهم الذي تهابه المؤسسات الثقافية العربية  التي حاربني بعضها بشكل كبير و أصر على خلق العراقيل في مساري بدل الدعم ويد العون .

الجديد نيوز:  ​في كتابك "هذه أنا.. توثيق الشعر العربي شغفي ولعنتي"، وصفت التوثيق بـ (اللعنة). لماذا أطلقت عليه هذا الوصف رغم النجاحات الكبيرة التي حققتها موسوعاتك؟

التوثيق للحركة الشعرية العربية كان شغفا جميلا وممتعا وتحول بعدها إلى لعنة كبيرة بسبب الخسارات المالية  الفادحة التي جاءت على حساب حياتي الشخصية مع ظهور عداء ممنهج ضدي من قبل بعض المحسوبين على المشهد الثقافي والمسيرين له ( مع الأسف الشديد).

الجديد نيوز:  ​أصدرت موسوعات إقليمية ومتخصصة لعدد من البلدان العربية (مثل السودان، وعُمان، والإمارات، و الأردن ومصر،والمغرب ، وتونس والعراق). ما هي الدولة أو الحقبة الجغرافية التي كانت الأكثر صعوبة وتعقيداً في عملية جمع البيانات وتتبع شعرائها؟ ولماذا؟

هناك العديد من العراقيل والصعاب في التوثيق لشعراء  أي بلد ما وهذا أمر طبيعي ومفهوم لكن تبقى تجربة التوثيق لشعراء العراق الأصعب على الإطلاق لعدة أسباب أذكر منها :

- التعصب لما هو مذهبي و سياسي .

- الشللية المقيتة .

- الوصاية على الشعر وعدم قبول تنوعه (شكلا).

- غطرسة بعض الشعراء.

الجديد نيوز:  ​شَكَّلت "موسوعة الشعر النسائي العربي المعاصر" محطة مفصلية ضمت مئات الشاعرات.

كيف ترين واقع الصوت الشعري النسائي اليوم مقارنة بالأحقاب السابقة؟ وهل تُعاني الشاعرة العربية من التهميش البيبليوغرافي بالفعل؟

في العصور السابقة كانت هناك رقابة على النساء بشكل عام وشعرهن بشكل خاص فحرمت العديد من الشاعرات من الظهور والتألق  عكس ما نراه اليوم من انفتاح جعل الشعر ينتحر تحت أقدام  بعض النسوة اللائي احتكرن النشر في أهم الصحف والمواقع  و المشاركة في جل المهرجانات تحت مسمى ''شاعرة '' وهي لا تستحق ذلك لتختفي أسماء هي الأحق بذلك.

أما التوثيق للشاعرات فقد عرف إجحافا كبيرا منذ القدم  لأسباب أهمها أن العمل كان ذكوريا .

الجديد نيوز:  ​ما هي المعايير الدقيقة التي تعتمدين عليها لإدراج الشاعر في موسوعاتك، خاصة في ظل الطفرة الرقمية وظهور أعداد هائلة ممن يكتبون الشعر على منصات التواصل الاجتماعي؟

هناك ثلاثة معايير أساسية هي :

1) الإنتماء إلى إحدى المؤسسات الثقافية .

2) طباعة إصدار شعري.

3) امتلاك مسار شعري واضح على أرض الواقع.

و يبقى المعيار الثالث هو الأهم .

الجديد نيوز:  ​في ظل التسارع التكنولوجي واتجاه العالم نحو الأرشفة الرقمية، ما زلت تتمسكين بالتوثيق الورقي.

هل ترين أن الذاكرة الرقمية غير قادرة على حماية التراث الأدبي بنفس كفاءة الكتاب الورقي؟  

لدي إيمان راسخ أن التوثيق الورقي هو الأهم والأبقى بدليل أن المؤسسات الثقافية الغربية لديها أرشيف ورقي لحماية  ذاكرتها  الأدبية من النسيان الإلكتروني الذي يمكنه أن يختفي في أي وقت دون سابق إخبار .

الجديد نيوز: ​حَضرت مدينة فاس العريقة كخلفية روحية وثقافية في أغلب محطاتك، رغم أنك وصفتها في إحدى قصائدك بـ "فاس المغتربة". ما سر هذه العلاقة والمركبة بين العطاء الإبداعي والشعور بالغربة اتجاه المدينة الأُم؟

فاس المدينة هي الأم الثانية في وجداني وشعري وفكري أيضا هي البوابة الراسخة في التاريخ والذاكرة  لكنها ذاكرة مشروخة وملمة فبعدما كانت عاصمة علمية و ثقافية حقيقة في أزمان سابقة تحولت اليوم إلى الأم العجوز التي لا نحتاج إليها إلى عندما نشعر بالضياع هذا الضياع الذي يجتاح كل فاسي وفاسية عشقوا مدينتهم المعتقة بقصص الأجداد رغم قساوتها .

الجديد نيوز:  ​تُرجمت دواوينك الشعريّة (مثل نبض وبوح المرايا) إلى عدة لغات عالمية. وهناك مقولة شهيرة تُردد أن "الترجمة خيانة للنص الشعري"؛ كيف كان انطباعك وأنت ترين قصيدتك تتحدث بلسان لغات متعددة؟

ترجمت أشعاري في ديوان ''بوح المرايا'' وطبعت بثلاث لغات عام 2009 م بينما ظهر ديوان'' نبض'' بسبع لغات عام 2012م م ، والغاية من تلك التجربة هي إيصال الصوت الشعري العربي إلى بقية ربوع العالم بعد اجتهاد مميز ومتمكن من مترجمين شعروا أن هذه النصوص قد لامست أحاسيسهم فشرعوا في ترجمتها بشكل جاد ولا أعتقد أن ترجمتهم كانت خيانة لنصوصي بقدرما كانت نقلا أمينا لها لبقية الشعوب حسب ثقافاتهم الخاصة .

الجديد نيوز:  ​في ظل المكانة الرفيعة التي تحتلها موريتانيا تاريخياً وثقافياً بوصفها "بلاد المليون شاعر"، ما هي أبرز الأسباب والعوائق التي حالت دون إنجاز موسوعة توثيقية مستقلة وشاملة للشعر الموريتاني حتى الآن؟

لا أحد منا ينكر تميز شعراء بلد المليون في المشهد الشعري العربي و لأنها موريتانيا فهي تحتاج إلى عمل جاد ومتمكن بهدف التوثيق لشعرائه لكني أجد المهمة صعبة لعدة أسباب أهمها :

عدم دعوتي من أية جهة رسمية موريتانية للتعرف على مكامن هذا الجمال الشعري على أرض الواقع ، فكل الدول التي سبق لي التوثيق لها زرتها سابقا ونسجت مع  بعض شعرائها ونقادها علاقات طيبة ساهمت في تذليل صعاب التوثيق المضني .