من رحم التاريخ، وبين جنبات جزر الزعفران والقرنفل حيث ترعرعت زنجبار على نسائم عُمان وأريجها الأول، انبعث صوتٌ هادئ العمق، مترفعٌ عن بهرج الدنيا، وغائصٌ في لجج المعرفة.
إنه الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي؛ قنديلٌ مضيء من قناديل الفكر الإسلامي، ومفتي قلب عُمان النابض بالحكمة والاعتدال.
وُلِد الشيخ في صيف عام 1942 ميلادية، ليجري في عروقه نسبٌ أصيل يمتد إلى جذور الأزد العريقة، وينحدر من دوحة مباركة للأئمة والعلماء من آل الخروصي.
لم تدرجه المدارس النظامية في مقتبل شبابه، بل شقّ طريقه بعصامية وصبر؛ فحفظ القرآن الكريم غيباً في طفولته المبكرة، وتشرب الفقه والعقيدة واللغة من حلقات المشايخ الأجلاء في زنجبار، جامعا بحكمة بين مساعي التجارة في رعاية والده، وسكينة العلم واليقين.
هجرة العودة: سفينة المجد ومداد العلماء
حين عصفت رياح الاضطرابات بزنجبار عام 1964، عاد الفتى مع أسرته إلى الوطن الأم "عُمان"، حاملين في صدور الأيام مداد العلماء وروح المهاجر الصابر المحتسب.
انطلق معلما في جامع بهلا العامر، ثم انتقل إلى محراب مسجد الخور بمسقط، ليتقلد لاحقا أمانة القضاء ثم منصب المفتي العام للسلطنة خلفا للشيخ إبراهيم بن سعيد العبري عام 1975، ويتبوأ مكانة سامقة جمعت بين هيبة القضاء، ودقة الفتوى، وحكمة الإرشاد.
وفي مسيرته التي أشرقت بالعلم، طالما أكد على شرف التحصيل بالقول:
"إن العلم هو الشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ومتى ما غرست جذورها في قلوب الأجيال، أثمرت وعياً وسلاماً وخيراً للناس أجمعين."
محرابُ المنبر ويراعةُ الفكر
هو فارسُ منبرٍ ومحراب، ويراعة لا ينضب مدادها؛ تغترف من ينابيع التفسير والفقه وأصوله، فتفيض درره عسلا مصفى في سفره العظيم "جواهر التفسير"، وخطبا تلامس بصائر القلوب والعقول معا.
ولم تكن مؤلفاته مجرد مداد على ورق، بل كانت مرآة واعية لضمير الأمة وهمومها؛ فمن"الحق الدامغ" و"وسقط القناع" إلى "الاستبداد مظاهره ومواجهته" و"العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع"، يطل علينا فكر رصين يوازن بحكمة بالغة بين أصالة الشرع ورحابة العقل.
وعن هذا التناغم الأصيل، طالما صرّح سماحته ببيانه الرصين:
"إن العقل السليم لا يمكن أن يصطدم البتة مع النقل الصحيح، فهما نورا الله اللذان يستضيء بهما الإنسان في ظلمات الحياة ليعرف طريق الحق والرشاد."
ولا غرو، فهو الداعي الدائم إلى رتق صفوف الوحدة الإسلامية، إذ يردد بروح الواثق المطمئن:
"إن الأمة الإسلامية لفي أشد الحاجة اليوم إلى رص الصفوف وجمع الكلمة، وتجاوز الخلافات الفرعية لتقف كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً."
سيرة تتألق بالزهد والوقار
سماحة الشيخ أحمد الخليلي.. سيرة متألقة بالزهد والوقار، وقامة علمية شامخة ما زالت ترسم بكلماتها السديدة وفتاويها المنيرة معالم الطريق نحو الوعي الراسخ واليقين الثابت.
