رئيس اتحاد المواقع الإلكترونية عزيز الصوفي في حوار مع "الجديد نيوز" : نؤسس لمرحلة جديدة تضمن استقلالية الإعلام الرقمي وتنهي عصر الكيانات الوهمية

 

 بين فوضى "الكيانات الوهمية" ورهان الاحترافية الحقيقية، يقف المشهد الإعلامي الرقمي في موريتانيا اليوم على مفترق طرق حاسم.

 

 سنوات من الركود أفرزت أسئلة ملحة حول استقلالية المؤسسات، وهشاشة التمويل، وضوابط الأخلاقيات الصحفية، ليكون استئناف نشاط اتحاد المواقع الإلكترونية الموريتانية بمثابة طوق نجاة يعيد ترتيب البيت من الداخل.


​في هذا الحوار الشامل والمكاشفة الصريحة، يفتح رئيس الاتحاد، الصحفي عزيز الصوفي، ملفات الحقل الصحفي بلا تسويف؛ ليضع بين أيدينا خارطة طريق متكاملة تبدأ بالشرعية القانونية والغربلة الحازمة، وتمر بتحديات التمويل وصندوق الدعم المستقل، ولا تنتهي عند حدود التكوين المستمر وحق الوصول إلى المعلومة. تفاصيل أكثر في سياق الحوار الآتي...

 

الجديد نيوز: بعد سنوات من الركود والتوقف الذي فرضته تحديات ميدانية وتنظيمية، ما أبرز الدوافع والظروف التي جعلتكم تقررون اليوم تجديد هيئات اتحاد المواقع الإلكترونية الموريتانية واستئناف نشاطه؟


إن قرار استئناف نشاط اتحاد المواقع الإلكترونية الموريتانية لم يكن قرارا ظرفيا أو مجرد رغبة في إعادة إحياء إطار نقابي، بل جاء استجابة لحاجة مهنية ملحة فرضتها التحولات الكبيرة التي شهدها المشهد الإعلامي الوطني، والتوسع المتسارع للمؤسسات والمنصات الإلكترونية.
لقد تأسس الاتحاد في مايو 2011 لتجسيد فكرة لدى مجموعة من الصحفيين الموريتانيين، إدراكا منهم لأهمية تنظيم قطاع الصحافة الإلكترونية والدفاع عن حقوق العاملين فيه. 
ورغم ما واجهه الاتحاد من تحديات أدت إلى توقف نشاطه لسنوات، ظلت الحاجة إلى وجود إطار مهني جامع قائمة.
واليوم، نعتقد أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لإعادة تفعيل هذا الصرح، خصوصا في ظل تنامي دور الإعلام الإلكتروني وتأثيره في تشكيل الرأي العام، وما يرافق ذلك من تحديات تتعلق بالتنظيم والاحترافية والحقوق المهنية.
ومن هنا جاءت إرادتنا في تجديد الهيئات واستعادة دور الاتحاد، انطلاقا من قناعة بأن القطاع يحتاج إلى تنظيم قوي ومسؤول، لا يكتفي بتمثيل المؤسسات، بل يعمل على تطويرها والدفاع عن مصالحها والارتقاء بأدائها.

 

الجديد نيوز: استكمالا للشرعية القانونية التي تحصّن المنتسبين وتعزز التأثير، كيف انعكس ذلك على جاهزية الاتحاد للمرحلة المقبلة؟


استكمال الشروط والإجراءات القانونية يمثل خطوة أساسية في مسار إعادة بناء الاتحاد، لأنه يمنحه الأساس القانوني والتنظيمي اللازم لممارسة مهامه، ويعزز مصداقيته أمام السلطات العمومية والشركاء والمنتسبين.
نحن نؤمن بأن العمل النقابي لا يمكن أن يكون مؤثرا ما لم يستند إلى الشرعية القانونية والشفافية واحترام النظم المنظمة للعمل المؤسسي.
كما أن استكمال هذه الإجراءات يسمح لنا بالانتقال من مرحلة التحضير وإعادة التأسيس إلى مرحلة العمل الميداني المنظم، وفتح باب الانتساب أمام المؤسسات الإعلامية المستوفية للشروط، ووضع برامج عملية في مجالات التكوين والتأطير والدفاع عن الحقوق المهنية.
وبالنسبة لنا، فإن الشرعية القانونية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لبناء اتحاد قوي ومستقل، قادر على أداء رسالته وتحمل مسؤولياته.

 

الجديد نيوز:في ظل تراجع الإعلام الورقي وتصدر الإعلام الإلكتروني للمشهد الموريتاني، كيف تقيمون حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الاتحاد في هذه المرحلة؟


المسؤولية كبيرة، وربما أكبر من أي وقت مضى؛ لأن الإعلام الإلكتروني أصبح اليوم في صدارة المشهد الإعلامي، وأضحى المصدر الأول للأخبار والمعلومات بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين.
وهذا التحول يفرض علينا مسؤولية مزدوجة: الأولى تتمثل في الدفاع عن المؤسسات الإعلامية الإلكترونية والعاملين فيها، والثانية تتعلق بالمساهمة في تطوير المحتوى الإعلامي وترسيخ المهنية والمصداقية واحترام أخلاقيات العمل الصحفي.
ولا ينبغي أن ننظر إلى الإعلام الإلكتروني باعتباره مجرد وسيلة سريعة لنشر الأخبار، بل باعتباره سلطة مجتمعية ذات تأثير واسع، تتطلب قدرا كبيرا من المسؤولية والانضباط.
ومن هذا المنطلق، نسعى إلى أن يكون الاتحاد شريكا فاعلا في إصلاح الحقل الإعلامي، وأن يساهم في بناء بيئة مهنية تحمي الصحفي والمؤسسة والجمهور في الوقت نفسه.


الجديد نيوز: أكدتم في بيانكم على ضرورة الانتقال من الكيانات الوهمية إلى المأسسة الحقيقية، ما الآليات العملية التي ستعتمدونها لتطهير القطاع ودعم المؤسسات الجادة؟

 
نحن لا نتحدث عن إقصاء أي جهة أو التضييق على حرية تأسيس المؤسسات الإعلامية، وإنما ندعو إلى احترام القانون والتمييز بين المؤسسة الإعلامية المهنية والكيانات التي لا تمتلك الحد الأدنى من المقومات القانونية والتنظيمية.
وتتمثل خطوتنا الأولى في اعتماد الانتساب وفق معايير واضحة، وفي مقدمتها الترخيص القانوني، والوجود الفعلي للمؤسسة، وممارسة النشاط الإعلامي بصورة منتظمة، واحترام الضوابط المهنية والأخلاقية.
كما نعمل على تحيين قاعدة بيانات المؤسسات المنتسبة، ووضع نظام تنظيمي يحدد حقوق الأعضاء وواجباتهم، مع اعتماد الشفافية في التسيير والمساءلة واحترام القرارات المؤسسية.
وفي المقابل، لن يقتصر دورنا على التنظيم والرقابة، بل سنعمل على مساعدة المؤسسات الجادة، خصوصا الناشئة منها، من خلال التكوين والتأطير وبناء الشراكات وتوفير فرص الدعم والتطوير.
نريد قطاعا قويا بمؤسساته الحقيقية، لا كبيرا بعدد الكيانات الوهمية.


الجديد نيوز: يعاني قطاع الصحافة الرقمية في بلادنا من تحدي التمويل المستقل، ما خططكم لإيجاد مصادر تمويل مستدامة تضمن استقلالية المؤسسات الإعلامية المنضوية تحت لواء الاتحاد؟

 

هذه من أكبر التحديات التي تواجه الصحافة الإلكترونية في موريتانيا، فلا يمكن الحديث عن استقلالية إعلامية حقيقية في ظل هشاشة المؤسسات اقتصادياً واعتماد بعضها على مصادر تمويل غير مستقرة.

نحن ندرك أن استقلالية القرار التحريري ترتبط إلى حد كبير بالاستقلالية المالية للمؤسسة، ولذلك نطمح إلى العمل على تنويع مصادر التمويل، وعدم حصرها في الاشتراكات أو الإعلانات التقليدية.

ومن بين الخيارات التي ندرسها تطوير الشراكات مع المؤسسات الوطنية والدولية، والاستفادة من برامج دعم الإعلام والتكوين، وفتح المجال أمام مشاريع مشتركة في الإنتاج الإعلامي والخدمات الرقمية.

كما نعمل على تصور لإنشاء صندوق لدعم الصحافة الإلكترونية في موريتانيا، يكون هدفه مساعدة المؤسسات المنتسبة، خصوصاً في ظروف التعثر المالي، وتوفير بعض الاحتياجات الأساسية كالتجهيزات والإنترنت والتكوين، وفق معايير شفافة وواضحة.

ونؤكد أن هدفنا ليس جعل المؤسسات تابعة للاتحاد فقط، وإنما مساعدتها على امتلاك مقومات الاستمرار والاستقلال، مع المحافظة على حرية قرارها التحريري.


الجديد نيوز: في ظل التسارع التكنولوجي؛ ما الاستراتيجية التي يعتزم الاتحاد تطبيقها لضمان التكوين المستمر ورفع كفاءة الصحفيين والمنتسبين في مختلف فنون العمل الإعلامي؟


نعتبر التكوين من أهم أولويات الاتحاد، لأن تطوير المؤسسات الإعلامية يبدأ بتطوير الكفاءات البشرية العاملة فيها.

وقد أصبح الصحفي اليوم مطالباً بامتلاك مهارات متعددة، لا تقتصر على تحرير الخبر أو كتابة المقال، بل تشمل التصوير والمونتاج والتحقيق الصحفي وصحافة البيانات والإنتاج الرقمي والتعامل المهني مع أدوات الذكاء الاصطناعي.

ولهذا نعمل على إعداد برنامج تكويني مستمر، يستفيد منه الصحفيون والفنيون والعاملون في المؤسسات المنتسبة، من خلال تنظيم دورات وورشات متخصصة بالتعاون مع خبراء ومؤسسات إعلامية وطنية ودولية.

كما نطمح إلى إقامة شراكات مع نقابات الصحفيين ومراكز التكوين والمؤسسات الإعلامية في الدول العربية والإفريقية وغيرها، بما يتيح تبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الناجحة.

كما قمنا بتوفير مقر مركزي للاتحاد، ونعمل على أن يتبع لهذا المركز فضاء للتكوين والأنشطة المهنية، مع العمل مستقبلا على توسيع هذه الخدمات لتشمل مختلف مناطق البلاد.



الجديد نيوز: لمحاربة الشائعة. كيف يسعى الاتحاد إلى لعب دور الوسيط الإيجابي لتحسين قنوات التواصل مع الجهات الحكومية وتسهيل حصول الصحفيين على المعلومة الرسمية في وقتها المناسب؟


نعتبر الحق في الحصول على المعلومة من الركائز الأساسية للعمل الصحفي، ولا يمكن للإعلام أن يؤدي رسالته على الوجه المطلوب إذا ظل الصحفي يواجه صعوبات في الوصول إلى المصادر الرسمية.

وسنعمل على تعزيز التواصل المؤسسي مع القطاعات الحكومية والإدارات العمومية، والدعوة إلى اعتماد آليات أكثر انفتاحا ومرونة في التعامل مع المؤسسات الإعلامية، بما يضمن وصول المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب.

كما نطمح إلى أن يكون الاتحاد إطارا للتنسيق بين المؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية، وأن يتدخل بصورة مهنية عند وجود عراقيل تحول دون حصول الصحفيين على المعلومات أو ممارسة عملهم.

لكننا نؤكد في الوقت نفسه أن دور الاتحاد ليس تبرير أداء الجهات الرسمية أو تبني مواقفها، وإنما تسهيل التواصل والدفاع عن حق الصحفي في الوصول إلى المعلومة، مع احترام القانون والخصوصية المهنية.

ونؤكد هنا بأن الاتحاد سيبقى شريكا في بناء الدولة، وليس خصما لها، كما أن النقد المسؤول والمعلومة الدقيقة يخدمان المصلحة العامة.


الجديد نيوز: في ظل الانفجار المعلوماتي وسعي البعض خلف الإثارة، ما خطط الاتحاد لفرض ميثاق الشرف الأخلاقي ومحاربة الأخبار الكاذبة وصون كرامة المهنة؟


نعتقد أن حرية الصحافة لا تنفصل عن المسؤولية، وأن سرعة النشر لا ينبغي أن تكون مبررا للتضحية بالدقة والمصداقية واحترام كرامة الأشخاص.
ومن هذا المنطلق، سنعمل على اعتماد ميثاق شرف مهني وأخلاقي يلتزم به الأعضاء، يستند إلى المبادئ الأساسية للعمل الصحفي، وفي مقدمتها التحقق من المعلومات، واحترام حق الرد، وتجنب التشهير والتحريض وخطاب الكراهية، والتمييز بين الخبر والرأي والإشاعة.
كما سنشجع المؤسسات المنتسبة على تطوير آليات داخلية للتصحيح والاعتذار عند وقوع الأخطاء، لأن الاعتراف بالخطأ المهني لا ينتقص من قيمة المؤسسة، بل يعزز ثقة الجمهور بها.
ونطمح أيضا إلى تنظيم حملات تحسيسية وورشات حول أخلاقيات النشر والتحقق من الأخبار ومخاطر التضليل الإعلامي.
ومع ذلك، نؤكد أن الاتحاد ليس جهة لمصادرة الآراء أو فرض الوصاية على المؤسسات، بل إطار مهني يسعى إلى ترسيخ الالتزام الطوعي والمسؤول بالمعايير الأخلاقية، وحماية حرية الصحافة وكرامة المهنة في آن واحد.



يبقى الرهان الأكبر معقودا على وعي الصحفي .. ما الرسالة التي توجهونها اليوم لكافة العاملين في المواقع والمنصات الإعلامية المرخصة في موريتانيا لكسب رهان الاحترافية والمصداقية؟


رسالتنا إلى جميع الزملاء العاملين في المؤسسات والمنصات الإعلامية المرخصة هي أن المرحلة المقبلة تتطلب منا جميعا قدرا أكبر من التضامن والمسؤولية المهنية.
لقد أصبح الإعلام الإلكتروني مؤثرا في حياة المواطنين وتوجهاتهم، ولذلك فإن كل كلمة ننشرها وكل معلومة نتداولها يمكن أن تترك أثرا إيجابيا أو سلبيا في المجتمع.
وانطلاقا من ذلك ندعو الجميع إلى تغليب المصلحة المهنية على الحسابات الضيقة، والابتعاد عن الصراعات الشخصية والتجاذبات التي لا تخدم القطاع، والعمل على بناء مؤسسات إعلامية قوية تحترم جمهورها وتلتزم بالمصداقية والاستقلالية.
كما ندعو المؤسسات الجادة إلى الانضمام إلى الاتحاد والمساهمة في بناء هذا الإطار، لأن قوة أي تنظيم نقابي لا تأتي من قيادته وحدها، بل من عدد أعضائه ووعيهم واستعدادهم للدفاع المشترك عن مصالحهم.
زنؤكد أن أبواب الاتحاد مفتوحة أمام كل مؤسسة تستوفي الشروط القانونية والمهنية، وأننا لا نبحث عن مجرد زيادة عدد المنتسبين، بل عن بناء أسرة إعلامية متضامنة وفاعلة.


الجديد نيوز: حول رؤيتكم الخاصة وأحلامكم .. ما الطموح الأكبر الذي ترغبون في تحقيقه خلال فترة ولايتكم الحالية، ليكون علامة فارقة في تاريخ الإعلام الإلكتروني الموريتاني؟


طموحنا الأكبر هو أن نترك وراءنا اتحادا مؤسسيا قويا، لا يرتبط بأشخاص أو فترات زمنية، بل يمتلك رؤية واضحة ونظاما داخليا فعالا وبرامج مستمرة، ويكون قادرا على الدفاع عن المؤسسات الإعلامية الإلكترونية وتطويرها.
نريد أن يتحول الاتحاد إلى مظلة مهنية حقيقية للمؤسسات الجادة، وأن يكون له حضور وطني ودولي، وشراكات فاعلة مع الهيئات والنقابات الإعلامية العربية والإفريقية والدولية.
ومن بين أولوياتنا العملية تثبيت مقر مركزي للاتحاد وتجهيزه، وإطلاق برامج تكوين مستمرة، والعمل على إنشاء صندوق لدعم الصحافة الإلكترونية، وتطوير علاقات التعاون الدولي، بما يفتح آفاقا جديدة أمام الصحفيين والمؤسسات المنتسبة.
كما نطمح إلى أن يكون للاتحاد دور مؤثر في النقاشات المتعلقة بإصلاح الإعلام الوطني، وأن يكون صوتا مهنيا مستقلا يدافع عن حقوق منتسبيه دون أن يتحول إلى أداة للصراع أو الاصطفاف السياسي.

وفي النهاية، لا نريد أن تقاس حصيلة قيادتنا بعدد البيانات والاجتماعات، وإنما بما سننجزه على أرض الواقع، وبما سنتركه من مؤسسات وبرامج ومكاسب مهنية يستفيد منها الجيل الحالي والأجيال القادمة من الصحفيين الموريتانيين.
نحن لا نسعى إلى إعادة إحياء اتحاد توقف نشاطه لسنوات فحسب، بل نطمح إلى تأسيس مرحلة جديدة من العمل النقابي والإعلامي، يكون عنوانها التنظيم والمهنية والتضامن والاستقلالية.