​من زخرف القصر إلى مرارة المنفى: السيرة المجهولة لسيدة الوفاء والصبر ــ الجديد نيوز



​"كانت شجاعة وصابرة أمام المحن التي مررنا بها."
الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع (من إهداء كتابه "نجاة العرب")

​خفقت أجنحة الفجيعة فوق سماء موريتانيا، وهي تستقبل على متن طائرة عسكرية جثمان ابنتها البارة، الراحلة عائشة بنت أحمد الطلبة، حرم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

عادت إلى مسقط رأسها في مدينة أطار، والعلم الوطني يلف جسداً طاهراً أنهكه مسير طويل من الصبر، ومحطات قاسية بين قمم السلطة، ورياح المنفى، ومرارة الغربة.

​رحلت السيدة عن عمر ناهز الستين عاماً، قضت جلّها بين أروقة أطار الوادعة، ورهبة القصر الرئاسي، وهدوء الدوحة.

لم تكن مجرد رفيقة دربٍ عابرة، بل كانت ذاكرةً حيّةً لسنوات عصيبة من الصبر والوفاء؛ وقفت كالجبل الأشمّ إلى جانب زوجها في أقسى المنعطفات التاريخية، حين تقاذفتهم الدروب، واشتدت العواصف السياسية، فتقاسما معاً مرارة المحن وتغيرات الزمان.

​

من ظلال نخيل أطار إلى زخرف القصر


​حين دخلت عائشة بنت أحمد الطلبة القصر الرئاسي في صيف 1991، كانت شابّة لم تتجاوز عقدها الثاني بعد، قادمةً من بيت عزّ وأخلاق رفيعة في أطار، حيث عُرفت بتفوقها الدراسي وتميزها في الرياضيات واللغة العربية، وجميل خصالها التي شهد بها أساتذتها.

​وجدت الفتاة اليافعة نفسها أمام تحدّيين جسيمين:
​صغر سنّها وحداثة عهدها بمسؤوليات الحكم.
​رعاية أبناء الزوجة الأولى للرئيس، الراحلة سادية منت محمد كامل (التي رحلت إثر حادث أليم).

​لكنها أدارت تلك المرحلة بحنكة نادرة، شاقةً طريقها بذكاء وهدوء وسط أمواج الحياة الاجتماعية والسياسية.

ولم تكتفِ بالدور البروتوكولي، بل كانت سيدة مجتمع محبة للعلم والتعليم، وحاضرة بوعي في الفعاليات ذات الطابع الإنساني والاجتماعي.

 

​صبيحة الثالث من أغسطس: مواجهة مع القدر

 

​لم يكن الثلاثاء 3 أغسطس 2005 يوماً عادياً في ذاكرة الراحلة. فبينما كانت طائرة الرئاسة تشق غيوم السماء حاملة زوجها نحو مصير مجهول، وجدت عائشة نفسها وأبناءها وحيدين في القصر الرئاسي لحظة سقوط النظام.

​رغم قسوة اللحظة ومرارة الانقلاب، فقد سجل التاريخ لها موقفاً من الثبات والشجاعة؛ إذ واجهت الواقع بثبات، مستبقيةً ذكريات احترام متبادل مع حراس القصر الذين سمحوا لها بمغادرة البلاد بكامل ممتلكاتها الشخصية.

​

سنوات المنفى: الوفاء في مهبّ الريح

 

​مهدت تلك الأحداث لرحلة اغتراب طويلة في العاصمة القطرية الدوحة، بعد أن اختار الرئيس اعتزال السياسة.

هناك، في حضن المنفى، أثبتت عائشة معدنها الأصيل؛ فكانت عماد الأسرة وواجهتها الحامية، تخفي آلام الغربة والوجع خلف سكينة هادئة، وتربي الأبناء بصبر لايـنفد.

​وفي مارس 2023، عادت للبلاد للمرة الأولى في زيارة محزنة لوداع والدتها، وكأن الأقدار شاءت أن تكون عودتها دائماً مقرونة بالدموع والفقد.

وقد تركت سيرتها انقساماً طبيعياً بين من يراها نموذجاً للزوجة الوفية التي تحملت الأقدار بشجاعة، وبين من نظر إليها من زاوية الصراع السياسي.

غير أن الحقيقة الباقية هي وقوفها بثبات إلى جانب زوجها حين غدر بع الزمان.

 

​الوداع الأخير: عودة إلى الحاضنة الكبرى

 

​هبطت الطائرة العسكرية حاملة الجثمان في مشهد مهيب، حضره الرسميون والشعبيون لتوديع سيدة طوت صفحة حياتها بصمت نبيل.

​تحت وطأة الفقد، تناثرت كلمات الحزن على منصات التواصل الاجتماعي، واستحضر الموريتانيون قصص الوفاء الغابرة، متمثلين عِبر التاريخ ومآسيه على غرار ما كتبه أبو البقاء الرندي.

رحلت عائشة بنت أحمد الطلبة، وبقيت سيرتها شاهدةً على أن الوفاء العظيم لا يزول برحيل أصحابه، بل يظل حياً في وجدان الذاكرة الوطنية.