محمد الكبير السيد
لا أعتقد أن إنسانا ينكر دور الحركة الوطنية الديمقراطية في طرح قضية العبودية والتأسيس للنضال ضدها يستحق التعليق عليه شخصيا؛ فهو إما جاهل بالتاريخ أو مكابر، وكلاهما لا يُلتفت إليه.
لكن الخطورة هنا تكمن في أن هذا الخطاب الشعبوي التفريقي بدأ يتسلل أثره إلى قلوب بعض المطحونين، فخُيل إليهم أن الخلاص من واقع الفقر والبؤس والحرمان يمكن أن يمر عبر المحاصصات. وهو سوء تقدير قد يدفع إليه الحماس، لكن المتحمس الصادق المخلص لقيمه، حين يمعن النظر سيدرك بجلاء ما جرَّه ذلك الفكر المحاصصاتي على الشعوب التي ركنت إليه من تشرذم وتنافر وتباغض وتدابر، وما آل إليه واقع دولها من فشل مؤسساتها وعجز اقتصاداتها وتعثر تنميتها، وسيدرك أيضا أن المستفيدين ـ حصرا ـ من ذلك الواقع هم فقط قادة رأي التجييش الشعبوي من رأس هرم الطبقات المتنافسة على السلطة ومزاياها، أما البسطاء من أبناء الشعوب فواقعهم هو هو، لا يتغير ولا يتبدل إلا من سيئ إلى أسوأ.
لقد عرفت بلادنا تاريخا مريرا من العبودية والاستغلال، لا ينكره أيضا إلا جاهل أو مكابر. امتد ذلك قرونا، وهو لا يثير نقاشًا، بل ربما كان يُنظر إليه بوصفه طبيعة كونية، مثلها مثل طلوع الشمس وغروبها. ثم جاء الاستعمار، فبدأت مؤشرات وعي بعيد لدى المستعبدين تلوح في الأفق، ترجمتها حالات هروب العبيد التي شجعها موقف الإدارة الاستعمارية المعلن من العبودية ، إلا أن واقع الاستعباد ظل يراوح مكانه بفعل ممانعة المجتمع التقليدي، التي كانت شرسة، عززت صلابتها انتهازية المستعمر وعدم بروز مقاومة للظاهرة من داخل المجتمع.
ثم جاءت بعد الاستقلال بسنوات الحركة الوطنية الديمقراطية، معلنة بدء تفجير الوعي من داخل الشعب الموريتاني نفسه، بمختلف ألوانه وفئاته وشرائحه. ولقد كانت نقطة قوتها أنها حركة وطنية لا تنظر إلى القضايا بوصفها قضايا خصوصية، وإنما تنظر إليها من حيث عدالتها ووجاهتها فقط. ومنذ ذلك التاريخ انطلق الكفاح الوطني ضد العبودية، والذي لم يكن حكرا على الحركة وحدها، وإنما ساهم فيه مختلف مناضلي المرحلة من الشبيبة الوطنية.
ثم جاءت حركة الحر، التي ضخت دماء جديدة وحارة في جسم القضية. وعلى الرغم من النقاشات النظرية التي طبعت علاقتها بالحركة الوطنية الديمقراطية أول الأمر، إلا أن نضالاتهما معا أفضت إلى قانون إلغاء الرق والقانون العقاري منذ عهد ولد هيدالة. وظل النضال مستمرًا حتى تأسيس حزب اتحاد القوى الديمقراطية، الذي انصهرت فيه الحركات المناضلة آنذاك، وحملت إليه موقفها من العبودية ونضالها ضدها. وعلى الرغم من أن الحزب لم يصمد موحدًا، إلا أن الأحزاب التي انبثقت عنه اتفقت في أمر أساسي، هو موقفها من العبودية ونضالها ضدها، وهو ما أفضى لاحقًا، عام 2007، إلى سن قانون تجريم العبودية على يد المرحوم الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، حيث سهل سن هذا القانون أن مضمونه كان محل إجماع من الطبقة السياسية الوطنية وأنه كان مطلبا أساسيا لها، وهو مايظهر أن القضايا حين تكون عادلة، مدفوعة بالوحدة، تساهم في بنائها وتجذيرها يسهل تحقيق الإنجازات بشأنها، أما القضايا التي تطرح بمنطق الخصوصية، وإن تزينت بثوب العدالة فإنها لاتفضي غالبا إلا إلى الانقسام.
وعلى الرغم من أهمية قانون تجريم الرق إلا أن القوانين وحدها قد لا تكفي، فكان لابد من ضخ دم جديد في مسار النضال، وهو ما اضطلعت به حركة إيرا، التي كان جل نواتها الأولى امتدادا للتنظيمات النضالية السابقة؛ فكان فيها مناضلون ومناضلون سابقون من الحركة الوطنية الديمقراطية وحركة الحر واتحاد قوى التقدم والتحالف الشعبي التقدمي واتحاد القوى الديمقراطية واليسار الوطني وغيره.
بيد أن الخطاب المشحون الذي تبنته هذه الحركة المناضلة، وإن كان قد حقق نتائج لا يُستهان بها، فإنه في لحظة معينة أربك الوحدة الوطنية، وبدأ شيئا فشيئا يخلق شرخا في المجتمع، لمسه كل مخلص للعدالة والإنصاف، وخصوصا لانسجام الشعب والمحافظة على كينونته.
واليوم، وبعد هذا التاريخ الطويل والحافل، فإن النظرة المتبصرة إلى واقعنا ستقودنا إلى أن مجتمعنا، وبغض النظر عن مركباته الاجتماعية وما عاشه من تغيرات أساسية بات يتشكل في الأرياف والمدن من مجموعتين فقط: إحداهما أقلية حاكمة مستغِلة، عمودها الفقري الضباط الأعلون ورجال الأعمال والموظفون الكبار والمشايخ التقليديون؛ والأخرى أغلبية فقيرة مقهورة مستغَلة، تضم جل البيظان (لحراطين، والعرب، والمعلمين، وآزناكة، والزوايا)، ومعظم الزنوج بمختلف طبقاتهم.
إن النضال من أجل العدالة والمساواة ينبغي أن يبتعد كل الابتعاد عن الخصوصية؛ فهي لا تخدم إلا الطبقة الحاكمة، أو من يريد أن يتسلق إليها من دعاة الخصوصية، عبر المتاجرة بآلام البسطاء من أبناء شعبنا وآماله، وإن أكبر خدمة تُقدَّم إلى الطبقة الحاكمة ودولتها العميقة هي أن يظل هذا الشعب مشرذما مشتتا.
ولقد استفادت هذه الطبقة الحاكمة منذ 1978 من ذلك الشحن الخصوصي حين استغلت حماقة الخطاب القومي الزنجي المتطرف في نهاية الثمانينيات، فأشعلت نار الفرقة بين البيظان والزنوج، وعطلت كثيرا من فرص النضال المشترك من أجل إرساء دولة العدالة والمواطنة، بل إنها ربما تتهيأ اليوم لدق الإسفين نفسه داخل مختلف مكونات المجتمع، كل على حدة؛ فغدا السوننكي ـ وقد بدأت البوادر ـ وبعد غد الهالبولار، واليوم البيظان. وما دعوات المحاصصة ودسترة المكونات الداخلية إلا خطوة في هذا السبيل.
غير أن الذي يثلج الصدر ويبعث على الاطمئنان إلى المستقبل هو أنك، حين تغلق هاتفك أو تحذف منه تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصا حين تذهب إلى داخل البلاد، تكتشف أن زعازع الفيسبوك ونخبه ما زال أثرها محدودا، وأن غالبية المجتمع بمختلف مكوناته ما زالت تعيش على سجية التوادد والتوحد.
وهنا أختم بقصة وقعت معي شخصيا: قبل أعوام ذهبت إلى تولل، في أقصى ولاية كوركول، وأنا حينها متأثر أشد التأثر بخطابات مناهضة العبودية ومنخرط فيها، وخصوصا ما يتعلق منها بالفصل بين مكونة لحراطين وبقية البيظان؛ فقد تسلل إليَّ هذا التفريق بفعل الحماس المشتعل لمناهضة العبودية وآثارها، فحين وصلت إلى القرية وجدت الناس يتحدثون عن توزيع سكانها، وأن الجانب الفلاني يسكنه البيظان، فكنت كلما مررت بذلك الجانب أستغرب أنني لا ألتقي إلا بلحراطين، فسألت أحد الزملاء، وهو من مكونة لحراطين ومن سكان ولاية كوركول قائلا: "أنا لا ألتقي في هذا الجانب من القرية إلا بلحراطين، وقد سمعت أن البيظان يسكنون فيه فأين هم؟"، فأجابني على سجيته: "البيظان هون ايقولوهم للحراطين، فنحن هنا في الولاية إلين انقولوا البيظان معناه اعلن عين البيظان البيظ والبيظان الخظر، لأننا في التسمية العامة لا نفرق بينهم".
حينها أدركت أن نقاشاتنا في المقاهي، وعلى الفيسبوك، وفي ساحات النضال شيء، وأن سجية عامة الناس وتسمياتهم وعناوينهم شيء آخر.
