رسالة السلام من عُمان

حاتم الطائي / رئيس تحرير الرؤية العمانية

حَبَسَ العالمُ أنفاسه خلال الأيام الماضية، ترقبًا لما ستؤول إليه الأوضاعُ المتأزِّمةُ والمشهدُ الإقليمي المُكتظ بحاملات الطائرات والمُدمرات، بالتوازي مع حروب التصريحات الإعلامية التي تنطلق بين الحين والآخر، وتنامي المخاوف من نشوب حرب أو صراع عسكري، بعد تعثُّر جهود عقد المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا في إسطنبول، حتى جاء اليقين من مسقط، عاصمة السلام الإقليمي، وقِبلة الباحثين عن الاستقرار؛ إذ أعلنت طهران وواشنطن بدء جولة من المفاوضات في مسقط، عندئذٍ تنفس الجميع الصعداء، مُوقنين بأنَّ شبح الحرب قد زال، ولو مُؤقتًا، انتظارًا لما ستُسفر عنه المباحثات.

هذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، التي تُمارس فيها الدبلوماسية العُمانية دورها الأصيل والحكيم، لرأب الصدع، وإطفاء نيران الحروب، وتقريب وجهات النَّظر بين الأطراف المُتنازعة. ولعقود طويلة، تحتفظ مسقط بمكانتها الدبلوماسية بين العواصم الإقليمية، لتكون مقرًا لانطلاق المفاوضات، ومرتكزًا لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة، ولم تكن مسقط في أي يومٍ بديلًا عن أي مكان آخر، ولا أحد الخيارات المطروحة على طاولة النِّقاش، لكنها ظلَّت عاصمة القرار والمُستقر لأية مُفاوضات جادة تسعى الأطراف المُنخرطة فيها لتحقيق اختراقات وتقدم فعلي.

وعندما نُفتش عن سِرّ المكانة التي تحظى بها سلطنة عُمان، نكتشف أن نهج "الحياد الإيجابي" هو العنصر الفاعل في ترسيخ ثقة الأطراف جميعها في الدبلوماسية العُمانية؛ إذ إنَّ سياساتنا الخارجية تقوم على عدم التدخل في شؤون الآخرين، وهذه عقيدة سياسية مُترسِّخة، وليست شعارًا نرفعه. كما إنَّ تبني نهج الحياد الإيجابي والحرص على تهيئة كل الظروف المُناسبة لخفض التصعيد ودعم الاستقرار وتحقيق السلام، يُمثل مركز القوة لهذه الدبلوماسية التي تحظى بإشادة الجميع. ولقد أسهمت سلطنة عُمان بأدوار رائدة لنزع فتيل التوتر في مختلف الأزمات الإقليمية، وهي أدوار تنطلق من وعي الدبلوماسية العُمانية بأهمية بسط ثقافة التعايش والوئام بين جميع الأطراف، والابتعاد عن أية استفزازات يُمكن أن تجُر المنطقة إلى أمور لا تُحمد عقباها.