الكاتب والروائي والإعلامي المختار السالم لـ" الجديد نيوز" : "عندما أود الكتابة أفكر في براءة الورقة "

 

حوار: محمد/ سيدناعمر

 

يقول ضيفنا في هذه المقابلة:" عندما  أمد يدي إلى القلم وأنظر في براءةِ الورقة لا أفكر هل سأكتب شعرا أم قصة أم خاطرة أم غير ذلك، لأنّ الشكل يتدفق إلى ذهني مع المضمونِ تلقائيًّا".

يعتبر فوزه بجائزة شنقيط 2020 مناسبةسعيدة في مسيرته الأدبية  الطويلة ويرى أن هذه الجائزة بمثابة توقيع من الجمهورية الاسلامية الموريتانية على تكريم الإبداع. .

يؤكد أن الشعر لم يكن أبد افي برج عال بل إنه كان عبر التاريخ بمثابة " سلطان القلب".

يقول إن البلد يعاني ي من معضلة تتعلق بالنشر ويؤكد أنه إذا أراد أي إنسان أن ينظر إلى مستوى الوعي الاجتماعي في أي بلد فلينظر إلى عدد الكتب الصادرةِ به.

ضيفنا في هذه المقابلة الشعر والروائي والاعلامي ...


الجديد نيوز: فزتم بجائزة شنقيط عن روايتكم " الدابة أو رياح الشبح" سنة 2020 ضمن فئة الآداب والفنون ماذا مثلت لكم تلك المناسبة وقتها؟


لقد مثل حصولي على جائزة شنقيط للآداب عام 2020 عن روايتي: "الدابة.. أو رياح شبح"، مناسبه سعيدة، ولحظة من تلك اللحظات التي يشعر فيها المرء أن هناك من يقدّر عمله.
إن ارتباط الجوائز بالأدب والمعرفةِ ظاهرة إنسانية قديمةِ، فعبر التاريخ خصّص الملوك والشعراء وقادة المجتمع جوائز تعبر عن امتنانهم وتقديرهم للمعرفةِ والموهبةِ، وقد ظلّ هذا التقليد ساريا في مختلف شعوب العالم، وخاصة لدى العرب إلى أنْ كلّل بقيام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم)، بخلع بردته الشريفةِ على الشاعر كعب، فكان ذلك وساما من الرّسول على صدر كل شاعر وكل موهوب، كانت تلطك اللحظة تكريما للإبداع أيا يكن خاصّة وأن هذا التكريم تم على نصّ كان نصًّا أدبيًّا جميلا وفريدا وبديعا، رسم صور للحياةِ وللشغف بالمرأةِ والجمالِ، ثمّ بوصف أعظم البشر، نص أثبت على مدار القرون أنه تيمة خالدة، وأنّ الأدب الذي يكرم من طرف النبوةِ هو خلاصة الحسِّ والمشاعر الإنسانيةِ، حين يتعلق المر بحديث الرجل عن أنثاه والعاشق وعن حبيبته، والشاعر عن قصيدتهِ، والإنسان على الفطرةِ في أزلها الفخم..
غداة أعلن فوزي بجائزة شنقيط للآداب، شعرتُ أنها تلك اللحظة التي منحت فيها جائزة كانت تكريما من بلدي ومجتمعي، فحمدت الله جلّ جلاله، وتمنيت أن يشمل هذا التكريم الكثير من الأقلام الوطنية الجادة والرصينة المبدعة، التي أثبتت جدارتها على مستوى الداخلي والخارج.
 


الجديد نيوز: الرواية الفائزة بالجائزة ليست معروفة لدى الكثيرين، هل من ملخص عن أحداثها للقراء، وماهي أسباب فوزها بالجائزة حسب رأيكم؟


نعم، لم تنشر حتى الآن رواية "الدابة.. أو رياح شبح"، وذلك بسبب اتفاق متعلق بنشرها وترجمتها على نطاق أوسع، وأرجو أن يكون ذلك خلال العام القادم إن شاء الله.
هذه الرواية لعلها الرواية الموريتانية الأكثر معالجة لملف صراعِ الحضارات والثقافات، مع أنها رواية تصف مراحل معينة من تاريخ موريتانيا، ومن تحول الإنسان الموريتاني من البادية الى المدينةِ، ومن الهجرةِ إلى الاستقرار، وإلى الهجرةِ الخارجيةِ، والصراعات التي عاشها الموريتاني وتعايش معها في المنطقةِ.
تقدم هذه الرواية صورة عن المجتمع الموريتاني في التحولات الكبرى التي شهدها خلال القرن الماضي، لكنها تقدم أيضا لمحات عن الصراع الحضاري بين الحضارات والثقافات، ومن خلال ذلك يلمس القارئ لهذه الرواية أن بها أكثر من رواية داخلية، وأن كل مشهد منها يكاد يكون رواية وحده، إذا انتهجت في كتابتها أسلوب الرواية الحداثية القائمة على تعدد المشاهدِ، وحرصتُ فيها، وهذا هو الأهم عندي، أن تكون بعيدة عن الرواية البوليسيةِ، لأـنني شعرت خلال العقود الماضية أن كتاب الرواية في العالم أصيبوا بهوس الحكائية البوليسية، فتحولت الروايات في غالبها إلى مجرد قصه بوليسية، عقدة وكذا.. يعني من الأشياء التقليديةِ في سرديات تقريرية لا روح فيها لغير أدب الصياد والطريدةِ.


فحرصت على أن أكتب روايتي بشكلها هي كحكاية وليست مطاردات بوليسية بين مجرمين وأبطال... وهكذا فالمشهدية الإنسانية من خلال هذه الرواية هي التي سعيت لاستنطاقها بأكثر من لسان سارد عن الصراع داخل الفرد وداخل محيطه الاجتماعي، ومن ثم بامتداده الإقليمي.. أردت تقديم سردية عن الإنسان الطازجِ وليس ذلك الإنسان البلاستيكي المركب او المعلب كما أصبحت آلاف الروايات تضخّ نسخه الكربونيةِ أو تحاول إدخاله إلى حرفةِ الأدب؛ حرفةِ السّرد، فالرواية ليست قصه تشويقية لكنها وثيقة فكرية مرسومة بعناية متناهية، تعلو على العقدةِ والحلّ وما بين السطور وتشرك الهامش بشكل يجعله مركزيا في المتن.. الرواية الحديثة هي التي تقدم المشهد رطبا وتبعده عن فنيات حدّدها بعض مترفي النقد ممن ذهبوا بالعمل الأدبي إلى طاولةِ التخطيط البوليسي، وإلى فنيات تحدّه وتحوّله إلى لقية تسلية للعقول العابثةِ.
رواية الدابة ليست سردية من النوع التقليدي الذي يعطيك خيوط السرد لكي تضلّ في تتبعها وإنما هي نص يأخذك إلى الفكرة حيث المشهد الروائي المعاصر في تقنياته وليس غير ذلك.
ميزة هذه الرواية أنها استخدمت الدابة التي ورد أنها تخرج في آخر الزمنِ تكلم الناس، ولأول مرة تستخدم هذه التيمةِ في عمل روائي، لكنها لم تستخدم أيضا بشكلٍ تعسيف إن صح التعبير، وإنما هي تيمة تظلل على روح هذه الروايةِ وعلى إحالاتها ورمزيتها، التي يجب أن يترك للنقاد حق تقرير مصيرها فنيًّا باعتبارها خروجا على الأقل عن بعض السرديات المصطنعة أو المتكلفة، إنّها ببساطه حكاية إنسانية يتطرق فيها كاتب إلى هموم مجتمعه وإلى إحساسِ أفراده وسلوكهم، ويقدم لقطات من الماضي والحاضر ومن ذلك الصراع الأزلي في النفس البشريةِ بين الخير والشر، بين الأنا والآخر، بين الظل والحرور بين الضّوء والعتمةِ، بين الجمال والدمامةِ، بين الورود والأشواك، بين إرادة العيش والحياة بكرامة وبين عكس ذلك.. هي أم الروايات غير المتكلفةِ.. حكاية فقط.. هي حكاية سردية على الفطرة فقط!


الجديد نيوز: تهدف الجائزة إلى تكريم الموريتانيين والأجانب أفرادا ومؤسسات وخاصة من الذين ساهموا بشكل كبير أو استثنائي في الإشعاع الأدبي والفني والعلمي والثقافي لموريتانيا. كيف تقيمون ما تحقق من أهداف الجائزة؟


لقد حصلت جائزه شنقيط على تزكية إقليمية ودولية من خلال ترشحاتها والفائزين بها، ومن خلال انتسابها لروابط الجوائز الإبداعية في البلدان الأخرى، إذ أصبحت، حسب معلوماتي، عضوا في عشرات الجوائز المماثلة روابط الجوائز المماثلة خاصه على مستوى عالمنا العربي والإفريقي والإسلامي، وهذه الجائزة هي توقيع من الجمهورية الموريتانية على تكريم الإبداع علما وأدبا وفكرا وفلسفة ورياضيات وعلومًا وتاريخا.. وغير ذلك. هذا التوقيع الموريتاني الأصيل ليس غريبا على شنقيط بلد المنارةِ والرباط، أرض سنابك الخيل وصرير أقلام المحابر.. فجائزة شنقيط هي التعبير عن روح الأمة، وموقف الأمة الموريتانية من المبدعين يتجلى في هذه الجائزة تمنحه لأبنائنا ولإخوتنا في الإنسانية من الذين ارتقت أقلامهم وأفكارهم إلى مستوى الجائزةِ، وهكذا أرى أنها بشكل مباشر هي السفير لنا عند العلماء والمبدعين من الشعوب الأخرى، وهذا من أجمل ما في الجائزة لأن حملتها من العرب والأفارقة والأوروبيين وغيرهم سيصبحون السفراء لهذا الشعب، وسفراء رسالتنا كأمةٍ موريتانية لها تاريخ يستحق أن يدرس وأن يعرف كغيرها من إخوتها في المجموعةِ البشرية.
وهكذا فإن الحصول على جائزه الدولة التقديرية هو أمر بالغ الأهمية وخاصة وأن أغلب دول العالم لها جائزه إبداع من هذا المستوى عندما تراجع قوائم الجوائز الدولة التقديرية في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بريطانيا ومصر.. إلخ، تجد أن هذه الجوائز هي محط اهتمام عالمي، وجسور تواصل بين المبدعين بشتى لغاتهم وثقافتهم ومرجعياتهم الوطنيةِ.
لقد كرّمت جائزة شنقيط عشرات العلماء والأدباء ومنحتهم هذا الوسام الذي هو تزكية عالمية بفتحها أمام كل مبدعي العالم.
 


الجديد نيوز: مسار التقديم للجائزة والفوز بها طويل، ويشمل مراحل متعددة هل من بسط لها للقراء الكرام؟


أعتقد أن المراسيم الإدارية لجائزة شنقيط فيما يخصّ الترّشح لها معقولة وخالية من التعقيد، فلا يتطلب الترشح غير نسخ من العمل الإبداعي وهوية وسيرة المترشح وتعهد شرف، وشروط بسيطة وغير معقدة.
الشعب: مضى ربع قرن على إنشاء الجائزة. كيف تقيمون مسيرتها خلال هذه المدة الطويلة؟
لقد مضى ربع قرن تقريبا على تأسيس جائزة شنقيط، وأعتقد أنها كشفت لنا عن نصوص كبيرة في مجال الأدب والفكر والثقافة من العلماء الذين فازوا بها من الداخل والخارج، وأهم ما حققته هو أنها منحت عشرات العلماء والكتاب والمثقفين اعترافا رسميا بجهودهم في خدمة العلم والأدبِ والثقافة، وهذا شيء جميل جدا، وشيء يطالب به الجميع، كما أن الجائزةِ بهذا الإنجاز تكون قد أدت أهم رسالة لها وهي تشجيع البحث والابتكار والإبداع والتميّز والأصالة المعرفية والبحث العلمي ومنح المتميزين حقّهم في حصولهم على اعتراف تميزهم وتقدير مواهبهم وتقدير جهودهم وتكريمهم، وهكذا أوجدت الجائزة مجتمع نخبة من الفائزين بها، مجتمع جائزة شنقيط مجتمع كبير من حدود عن يزيد عن مائة عالم ومثقف ومبدع كبير، وهذا شيء رائع جدا وآمل أن تتطوّر رابطة الفائزين بجائزة شنقيط لتصبح إداريا أكثر تنظيما ونشاطا وأن تتفرع عنها بعض المسابقات الفرعية خاصة لرعايةِ المواهب الشبابية الصاعدة في مجالات التقنيات والأدب والفكر بصفه عامة.


الجديد نيوز: موريتانيا تعاني من مشكلات كبيرة في توفر النشر. ماهي أبرز تلك المشكلات وهل من حلول؟


نعم تعاني موريتانيا مشكلة نشر مستعصية جدا رافقت مسار الدولة حتى الآن، ولم يتم الحد من هذه المشكلة.. إذا أراد أي إنسان أن ينظر إلى مستوى الوعي الاجتماعي في أي بلد فلينظر إلى عدد الكتب الصادرةِ بذلك البلد.
نحن نعاني في موريتانيا من غياب البنية التحتية للطباعة والنشر، سواء تعلق الأمر بناشري الصحف والمجلاتِ أو الكتب.
ولا توجد في البلد مطابع نشر، بمعناها المعاصر، بل ورش بدائية محدودة كأنما تطبع على روح غول لشدّة غلائها، وهو ما يعيق نشر الكتاب الموريتاني، ولقد أصبح بعض المؤلفين يلجأ للطباعة في دول بعيدة ويتكلف مبالغ كبيرة، والأغلبية تعجز عن تحمل تكاليف النشر فتلازم الانتظار.
إن النشر في كل بلدان العالم عملا مكلفا لكن بتوفر بنية تحتية، دور نشر مهنية، غالبا ما يتحول نشر الكتاب إلى عمل سهل، وكثير من الدول تتحمّل نشر الكتاب الوطني من خلال آليات معروفة، تقوم على النشر المجاني التابع لمطابع عمومية، أو دعم دور النشر بالمشتريات والتسويق، ما يمكنها من طباعة الإنتاج الإبداعي بشروط ميسرة.



الجديد نيوز: أنتم شاعر وروائي وصحفي؛ أي هذه الصفات أحب إليكم ولماذا؟ وكيف تجمعون بينها أثناء الممارسة؟


هذا السؤال رغم أنه سؤال تقليدي إلا أنه من وجهة نظري ومن خبرتي الصحفية لم يوفق أي كاتب في الإجابة عنه بما هو شاف وكاف وفق التعبير الدارج، ولا أظنني الاستثناء في ذلك.
على العموم أنا أجد نفسي شاعرا قبل أي فنّ آخر. لقد بدأت حياتي الإبداعية بالشعر فحفظته وأنا طفل وتأثرت بإيقاعاته، جرسه، موسيقاه، عوالمه البلاغية، ولما أزلْ أنا ذلك الطفل المسحور بوصْفِ راكبة الهودج والتغلبيةِ الهامسةِ بدنوّ الإصباحِ.
وكتبت الشعر طفلا وهو فنيّ الأول وحاستي التي لا تخون الجيشان.. والشعر يضفي بظلاله الوارفةِ على بقيّةِ الفنون الاخرى السردية من رواية وقصص وخاطرة، وما إلى ذلك، حتى في التقارير الدوليةِ التي كنت أعدها ايام أعملُ مراسلًا دوليًّا، كانت هناك تشعير للنص الخبري، وحضر الشعرِ، والشعر لا يحضر باستحياء، بقوه أثناء كتابتي الصحفية دون أن أنتبه لذلك حتى وجدتَ أن بعض كبريات وكالات الأنباء في العالم التي كنت أتعامل معها، كانت توجه بعض مراسليها باستخدام أسلوبي في نقل المشاهدِ الخبرية بلغة توازيها حدثيتها، وليس فقط نقلا تقنيا أو تقريريا عن المشهدِ الذي يعالجه الصحفي.
وفي الحقيقةِ أنا حين أمد يدي إلى القلم وأنظر في براءةِ الورقة لا أفكر هل سأكتب شعرا أم قصة أم خاطرة أم غير ذلك، لأنّ الشكل يتدفق إلى ذهني مع المضمونِ تلقائيًّا.. وكما أربا بأي أب أن يلجأ إلى فحصِ مسبّق لجنس الجنين، أربأ بأي كاتب أنْ يدخل في لعبة الاختيار بين الأجناس الأدبيةِ.
أبدأ بكتابةِ النّص فيأتي شعرا أو سردا من تلقاء اللحظَةِ، ولا أخطط أبدا قبل الجلوس إلى القلم أو لوحة المفاتيح للكتابة في جنس أدبي معين.. حتى في رواياتي تأتي البداية بتدفق المشاهد والأحداثِ بشكل مكثف قبل أن ألجأ لكتابتها على فترات، بينما تتدفق القصيدة غاليا في جلسة واحدة، ونادرة هي قصائدي التي تطلبت مني كتابتها على فترات متباعدة، وأنا من أقل الشعراء تسويدا لنصوص القصائد، وغالبا ما أترك للنص براءته كما هي، ورغم ذلك يأخذ علي البعض تكثيفي الشديد للرموز والإحالات، ووالله لا أقصُد ذلك بتكلف، وإنما هو سجية بين قلمي وبين أوراقي.
أاعتقد أن هناك شيئًا اسمه الكتابة تأتيك بتجلياتها وعليك أن تستسلم وأن تستنشق رائحة الحبر وتستعد بتلك الشموع الخرافيةِ التي توقد في ذهنك وهي تضيء ألف شفق داخل الروح.


الجديد نيوز: موريتانيا "بلاد المليون شاعر" وأنتم كاتب روائي. كيف ترون واقع السرد في البلد، وهل ما زال الشعر متوجا في برجه العاجي ببلاد "المنارة والرباط"؟


إن تاريخنا من السرد لا يتجاوز نصف قرن، وهذا أمر صادم تماما فما عدا الكتابات التقليدية من رسائل وتوثيق، لا توجد هناك كتابات نثرية في تاريخنا إلا ما ندر، لا قصص ولا حتى مقامات ولا كتب سردية، إنّما هناك فقط الجانب الشعري.
وخلال النصف نصف القرن الأخير.. منذ الاستقلال تقريبا.. بدأ السرد الموريتاني يتلمس طريقه إلى الوجود من مشيمة كانت معطّلة.
وبدأ ذلك أساسا في الساحة الثقافية الموريتانية، عبر بيانات سياسية كانت تكتبها الحركات الأيدلوجية بطريقة أدبية، فكانت اللغة الأدبية السياسية أمرا لافتا في مجتمع "تصل براحة فلان".
ثم ظهرت كتابات أخرى وأدبيات سياسية تمجد بعض قادة التحرر العالمي التاريخيين.. هوش منه وتشي جيفارا، ثم أدبيات معارضة... وأحدث ذلك نقلة نوعية نسبيا وقتها، ثمّ وجد النثر الثقافي الشاعريّ طريقه إلى الساحة الثقافية الموريتانية وكانت صحيفة "الشعب" رائدة في هذا المجال، وأريد أن أنوه هنا إلى أن جميع تجارب الحداثة والمعاصرة والتطوير في الأدب الموريتاني بدأت من صحيفة "الشعب" عبر المقالات والزوايا والخواطر التي كانت تنشرها للكتاب الموريتانيين.
وقد شهد النثر الموريتاني طفرة نوعية مع ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي تجلت في ظهور كتاب قصص قصيرة مثل مباركة بنت البراء ومحمد الأمين مني، ثمّ الروايات خاصة تلك التي كتبها الشّاعر الكبير أحمدُّ عبد القادر.
وخلال الثلاثين سنة الأخيرة شهد النثر تطوّرا ملحوظا بظهور كتاب روايات مثل موسى ولد أبنو، ومحمد ولد أحظانا، وبدي ولد أبنو، ومحمد محمد سالم، وغيرهم، وبدأ السرد الموريتاني يلفت انتباه الصحافة العربية والدولية، وخاصة بعد أن توجد السرد الموريتاني بفوزه بأعلى جوائز الرواية والنقد في العالم العربي، كما ظهر الكتابات السرديات عبر وسائط التواصل الاجتماعي التي أعطت دفعا كبيرا لأقلام أصبحت الامعة في مجال بالسرد، وقد تطور النص السردي الموريتاني إلى مستوى عال من التقنيات الكتابية، وبرز كتاب موهوبون في الأدب والفكر والثقافة، واليوم هناك نخبه من كتاب الزوايا والمقالات والروايات والقصص والتدوينات والخواطر، بل إن البعض يرى أن النثر الموريتاني كاد يتجاوز في تأثيره تأثير الشّعر، وهذا، على كل حال، رأيٌ يشبه تماما محاوله مقارنة الشمس بالشموع، فالشموع جميلة جدا وشاعرية جدًّا ولكن لا يمكن أبدا أن توجد شمعه تضاهي الشّمس، ولا قطرة تكبر البحر، ولا حصاة تتجاوز الجبل، ليس هناك فن يمكن أن يضاهي الشعر في تاريخ البشر كلّه وخاصة في تاريخنا نحن الشناقطة أصحاب معقل البئر وعقال الناقةِ، نحن أبناء المطلع وورثة المعلقةِ.
إن الشعر لم يدخل يوما إلى برج عالٍ حتى يَخْرُجَ منه أو يُخْرَجَ منهُ.. لقد اتخذ الشعر من نفس الإنسان ومن روحه أيقونة سكنها وسكنته ووزع إيقاعه بعدالةٍ بين عامّة الشعب.. عبر التاريخ كان الشعر دائما سلطانَ القلب، وعند الإنسان العربي منذ المتردمِ الأول إلى ساجر الضّباب في الليالي النجدية، وراسمِ البلاقع على آثار ذهل بن شيبان وجيرة الوديان غير المتصدعة.. إنّه ذلك السر الخفي الذي يبثُّ شهوة الحياة في شرايين البشرية عبر فضاءاتها الجغرافية المتنوعة من كهوف الثلج والجبال إلى رؤوس كثبان الرّمال فالأدغال فالضفاف والمصبّات، فالديار التي تشبه بقايا الوشم في ظاهر اليد.. هذا الشعر لم يعلن نفسه يوما ملكا أو سلطانا خاصا لا في صومعة معينة ولا أخرى متعينة.. وإنّما ولد بين الجفون والشفاهِ والأنامل وظلَّ إيقَاعا مشتركا بين كل البشر عامتهم وخاصتهم، ولقد أنتج الشّعر عدالته بالتساوي بين أبناء آدم وبناتِه، لم يقبل أبدا أن يكون خاصا بفئة معينة وإنّما ظلّ ذلك الجسر العجائبيِّ بين الإنسان وبين ذاتِه، وإذَنْ هو لم ينعزل ولا يصلح للعزلةِ ولا يقبل بغير الهواء الطلقِ وبغير الحياة والحس الإنساني الرطب الذي يسامت الضوء ويتجاوزه في بهائه وعطريته ونقائه.. هذا الشعر سيظل هو الإنسان أو لا يكون.
ومهما كان لأي فن آخر أن يرتقي، فلن يكون هناك شيء أعلى من الشعر لأنه لا شيء أبهى من الضوء أبدا ولا شيء أجمل من الحب والشعر كله حب أو لا يكون.. سيبقى الشعر شيئا أعلى من الفن وأجمل من الروح وابلغَ من كلّ بليغ.. سيبقى تلك الكلمةِ التي تشحن أرواحنا وأحلامنا وخواطرنا، والصُّورَ التي نشتهي أن نركب فيها ويركب فيها الكون من حولنا.. سيبقى الشعر يمجد الله ويربت على قلبِ الانسان بالكثير من الحنوّ والحب.


الجديد نيوز: الساحة الثقافية بموريتانيا يرى بعض المهتمين أنها تعيش ركودا كبيرا وتتسم بموسمية العمل فيها كيف ترون هذا الموضوع؟


هناك رأيان في هذا الإطار.. أحدهما يزعم أن الساحة تعيش ركودا ثقافيا، فهو أبدا لا يرى ثقبا في الكهفِ، وهناك من يرى أن الساحة الثقافية خلال السنوات الأخيرة بالأخص شهدت نهضة ثقافية كبيرة نسبيا تجسدت في هذا العدد الكبير من المهرجانات والتظاهرات الإبداعية، بدلا من مهرجان سنوي يتيم.
بالنسبة لنا نحن الذين عشنا في سنوات لم ينظم فيها مهرجان واحد في السنةِ، فإنّ تنظيم سبعين مهرجانا في عام واحد أمر يدعو إلى الفرح.
فخلال العام المنصرم شهدت البلاد تنظيم سبعين مهرجانا وتظاهرة ثقافية كبرى ومعرضا دولي للكتاب، وكانت تلك التظاهرات متنوعة في مجالاتها.. مهرجانات فنية ثقافية أدبية شعرية في العاصمة وفي مدن الداخل، وكانت فضاء للقاء النخبة الثقافية من علماء وأكاديميين وموسيقيين ومطربين وراقصين وغير ذلك.. وكانت هذه المهرجانات مفارقة في تاريخِ القاطرة الثقافية الموريتانية التي لم تكن تتحرك بل لم تكن تملك سكه إطلاقا حتى تتحرك، وفجأة جاء هذا الزخم وهذه المهرجانات.. الساحة الثقافية تشبه القاطرة التي كانت متوقفة عند مستوى الصفر والآن هي تسير بمستوى كيلومترا كلم في الساعةِ.. هذا مجهود يجب النظر إليه بجدية وإنصاف، نعم يجب الاعتراف بما تم تحقيقه.. هناك حراك ثقافي يصل مستوى الترف قياسًا لواقع كنا فيهِ حيث كنا، في سنوات خلت، نمضي عاما كاملا لا نحضر ندوة ولا أمسية ولا نسمع في شوارع نواكشوط وأرصفتها إلا مواء القطط.. يجب أن نعترف بما تحقق، ولكن نطالب بإضعافه وهذا حقنا أيضا.